تقدير [من] هنا البيانية استغراقية، قلنا: هنا يُرَجَّح أن ثَمَّ [من] مقدرة للتصريح بها في بعض المواضع {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ} [المؤمنون: 23] جاء التصريح بها.
ثانيًا: على ما اشتهر عند النحاة أن (لا إله) مثلًا أو غيره أنه في جواب سؤالٍ، والسؤال فيه [من زائدة] [1] ، [من] مذكورةً في السؤال.
قال ابن هشام هنا: هَلْ مِن رَّجُلٍ حَاضِرٌ؟ رَجُل مبتدأ، حَاضِرٌ خبر، إذًا ما الرافع لـ حَاضر؟
رجل نفسه المبتدأ، هَلْ مِن رَّجُلٍ، رَجُلٍ هذا قلنا: مبتدأ، حَاضِرٌ، هذا السؤال كما أن حاضرٌ رفعه المبتدأ جوابه: لا رَجُلَ حَاضِرٌ كذلك رفعه المبتدأ، وليس (لا) ، ولذلك قال هنا: وقولك لا رَجُلَ حَاضِرٌ بمثابة هَلْ مِن رَّجُلٍ حَاضِرٌ. الجواب كالسؤال. يعني: حاضر في التركيبين مرفوع على أنه خبر للمبتدأ، والعامل فيه هو عين المبتدأ، والقائل: إن (لا) ترفع الخبر هو الأخفش ومن تابعه، وهو الصحيح، أن (لا) إذا بُنِيَ معها اسمها حينئذٍ أَثَّرَت في ماذا؟ في الاسم فبُنِيَ معها وإن كان على تقدير [من] ، وَأَثَّرَت في الخبر لأنها من النواسخ، وإذا كانت من النواسخ فالأصل في الناسخ أنه يعمل في المبتدأ وفي الخبر، والقول بأن الناسخ يعمل في الأول دون الثاني كما هو مذهب الكوفيين في باب (إِنَّ) وَ (كَانَ) نقول: هذا مذهب ضعيف، والصحيح أنها عاملة في الاسم وفي الخبر، وكلام أبي البقاء في (( اللباب ) )، ولابن يعيش في شرح (( المفصل ) )ما يوهم أن خلاف سيبويه والأخفش خلاف مطلقًا المبني معها الاسم والمعرب حيث علل مذهب سيبويه بضعف العامل (لا) ، ولكن ابن مالك في التسهيل نقل الاتفاق على عمل (لا) في الخبر إذا كان اسمها مُعربًا، يعني (لا) قد يكون اسمها مُعربًا، أليس كذلك؟ لا طالعًا جبلًا، لا طالع جبلٍ، باتفاق أن (لا) إذا أعرب معها اسمها فهي العاملة في الخبر، وأما إذا رُكِّبَ تركيب الخمسة عشر فهذا اختلفوا فيه، سيبويه يرى أنها ليست بعاملة، وعند الأخفش أنها عاملة، والأصح مذهب الأخفش أنها عاملة طردًا للباب والقاعدة الأصلية أن الناسخ يعمل في الجزئين، واختار قولًا الأخفش يعني: ابن مالك رحمه الله تعالى فيما إذا بُنِيَ الاسم معهم، ويلزم أن تعمل (لا) في المعرفة وهذا إن تم به الاعتراض على الأخفش فسيبويه سالم منه حيث يقول: إن (لا) لا عمل لها في الخبر. وبعضهم يرى أن (لا) لا تعمل في الخبر لكونها نافية أن هذا شرطٌ دخيل على باب (لا) النافية للجنس، وإنما ذات الشرط إنما يكون في ماذا؟ في (لا) التي تعمل عمل (ليس) ، ولذلك (لا) التي تعمل عمل (ليس) إنما عملت عمل (ليس) لمشابهة (ليس) في ماذا؟ في النفي، وأما (لا) التي تعمل عمل (إنَّ) النافية للجنس فإنما عملت لكونها أشبهت (إنَّ) المثبتة، وحينئذٍ الأصل بعد الشرط أنه دخيلٌ على باب (لا) النافية للجنس، ولذلك قال ابن هشام: على أن ما ذكره بعضهم من أنَّ (لا) لا تعمل فالموجب قد يقال فيه: إن تلك (لا) العاملة عمل (ليس) من حيث إنها إنما عملت للشبه بـ (ليس) من جهة النفي، فإذا زال النفي زال الشبه فزال العمل، أم (لا) النافية للجنس فعملها إنما هو بالحمل على (إنَّ) وهي للإثبات حينئذٍ لا يدخل شرط من باب إلى بابٍ آخر.
خامسها: أن (لا إله) في موضع الخبر و (إلا الله) في موضع المبتدأ وهذا الذي قرره الزمخشري في (( الرسالة ) )التي أعطيناكموها سابقًا: أن (لا إله) في موضع الخبر، و (إلا الله) في موضع الابتداء، أصل التركيب الله إلهٌ، الله إلهٌ ثم حصل تقديم وتأخير على ما سبق تقديره. قال ابن هشام: وهذا المذهب رُدَّ من وجهين:
الأول: أن (لا) إنما يُبْنَى معها المبتدأ لا الخبر، صحيح؟ (لا) يُبنى معها المبتدأ لا الخبر، وعلى رأي الزمخشري (لا إله) ، إله هو الخبر، إذًا بني الخبر مع على (لا) ، وهذا مخالف للإجماع.
الثاني: جواز النصب بعد (إلا) ، لا إله إلا اللهُ، لا إله إلا اللهَ، جاز النصب، وعلى رأي الزمخشري الله مبتدأ، والمبتدأ لا يمكن أن ينصب. إذًا جواز النصب دليل على أنه ليس مبتدأ، إذ لو كان مبتدأ المبتدأ لا يكون إلا مرفوعًا فكيف يكون مبتدأ في الأصل، هذا ضعيف.
(1) سبق.