إذًا لا بد من توافق الظاهر والباطن، فلو طاف عند قبرٍ أو ذبح أو فعل ما فعل يرجو ما يرجو وهو مخلص لله تعالى إن قُبْلِتْ دعواه بالإخلاص، فحينئذٍ نقول: إذا كان كذلك لا يُقبل منه البتة، والقول بأنه قد يثاب نظرًا إلى الإخلاص دون ظاهره نقول: هذا قولٌ باطل، ولذلك هنا عَبَّر قال: فإن جرى المقدور بحصول شيءٍ من ما يُريدون استبشروا وفرحوا ونسبوا ذلك إلى صاحب القبر، فإن لم يتيسر شيءٌ من ذلك اعتذروا. إذا ما حصل ماذا ينفع؟ إلهٌ ما قبل إجابتهم. قال: اعتذروا عن صاحب القبر بأنهم إما غائبٌ في مكانٍ آخر. مشغول، والمشغول لا يشغل، أو ساخطٌ لبعض أعماله أو أن اعتقاده في الولي ضعيف أو أنه لم يعطوه نذره ونحو هذه الخرافات. هذا إذا متى؟ إذا لم يحصل شيءٍ من ما رَجَوْهُ من وليهم.
ومن بعض أشعار المادحين لسيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم - قول البصيري في تلك القصيدة الشركية التي ملأها بالشرك ويتلوها من يتلوها:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم
ولن يضيقَ رسولَ اللهِ جاهُكَ بي ... إذا الكريمُ تحلَّى باسمِ مُنتقم
فإِنَّ لي ذمةً منه بتسميتي ... محمدًا وهو أوفى الخلقِ بالذِّمَمِ
كذب يعني: لكونه قد سمَّى نفسه محمدًا صارت له ذمة، فكل من تسمى بمحمد له ذمة عند النبي - صلى الله عليه وسلم -.
إنْ لم يكنْ في معادي آخِذًا بيدي ... فَضْلًا وإِلا فَقُلْ يَا زلة القدم
يقول الشيخ هنا رحمه الله تعالى: فتأمل ما في هذه الأبيات من الشرك منها: أنه نفى أن يكون له ملاذٌ إذا حلت به الحوادث إلا النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا عين الشرك الأكبر، وليس ذلك إلا لله وحده لا شريك له فهو الذي ليس للعباد ملاذٌ إلا هو، ويكفي هذا.
الثاني: أنه دعاه ونداه بالتضرع وإظهار الفاقة والاضطرار إليه وسأل منه هذه المطالب التي لا تُطلب إلا من الله تعالى، وذلك هو الشرك في الإلهية الشرك الأكبر. الثالث: سؤاله منه أن يشفع له في قوله:
ولن يضيق رسول الله .. البيت
وهذا هو الذي أراده المشركون مِنْ مَنْ عبدوه وهو الجاه والشفاعة عند الله تعالى وذلك هو الشرك، وأيضًا فإن الشفاعة لا تكون إلا بعد إذن الله فلا معنى لطلبها من غيره فإن الله تعالى هو الذي يأذن للشافع أن يشفع لا أن الشافع يشفع ابتداءً. الرابع: قوله:
فإن لي ذمةً .. إلى آخره
كذبٌ على الله تعالى وعلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - فليس بينه وبين من اسمه محمدٌ ذمةٌ إلا بالطاعة لا بمجرد الاشتراك بالاسم مع الشرك.
الخامس: قوله:
إن لم يكن في معادي آخذًا ** بيدي .. البيت.
تناقضٌ عظيم وشركٌ ظاهر، فإنه طلب أولًا أن لا يضيق به جاهه، ثم طلب هنا أن يأخذ بيده فضلًا وإحسانًا وإلا فيا هلاكه.
إذًا هذه القصيدة وإن اشتهرت فهي مليئةٌ بالشرك. إلى آخر كلامه، قال في بعض الأبيات التي تقال في النبي - صلى الله عليه وسلم - وما أكثر من يرددها من الصوفية وغيرهم ومن شعر البرعي قوله:
مَاذَا تُعَامِلُ يَا شَمْسَ النُّبُوَّةِ مَنْ ... أَضْحَى إِلَيْكَ مِنَ الأَشْوَاقِ في كَمَدِ
فَامْنَعْ جَنَابَ صَرِيحٍ لا صَرِيخَ له ... نائِي المْزَارِ غَرِيبِ الدَّارِ مُبْتَعِدِ