فهرس الكتاب

الصفحة 637 من 2014

إذًا ثَمَّ فرق بين الاستغاثة والدعاء، الدعاء أعم مطلقًا، والاستغاثة أخص مطلقًا، وكل استغاثة دعاء ولا عكس، (باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره) عرفنا أن الترجمة ليست على إطلاقها، إنما المراد بها ما يتعلق بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، حينئذٍ الحي الحاضر الذي يُستغاث به فيما يقدر عليه حينئذٍ هذه مستثناة، وذكرنا ما يتعلق بوجه الاستثناء جاء {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ} [القصص: 15] ، دل ذلك على أن ذلك جائز ولا إشكال فيه، لكن يكون من قبيل الأسباب، والأسباب يجب أن يعتقد فيها المعتقد عامة في هذا وفي غيره أنها مجرد سبب، وأما المؤثر الحقيقي فهو الباري جل وعلا، عمومًا لا يعتمد اعتمادًا قلبيًّا على الأرزاق ولا على الأطباء ولا على المعلمين ولا على ما يمكن تتعلق به النفوس، وإنما يتعلق القلب بالباري جل وعلا وهذه أسباب بمعنى أن العبد مكلف أن يبذل السبب، وأما المسبب فمن الله تعالى وحده، قد يبذل السبب ولا يترتب عليه المسبب، وهذا لا إشكال فيه، لكن يشترط فيه ماذا؟ أن يكون ماذا؟ المسبب أن يكون تامًا، يعني لا على وجه النقص، فإن كان على وجه النقص حينئذٍ قام به مانع فبُذِلَ السبب ولم يترتب عليه الْمُسَبَّب لقيام مانع بالسبب، أو بفاعل السبب، حينئذٍ نقول: هذا الأمر قد لا يترتب عليه الْمُسَبَّب، وقد يأتي بالسبب على الوجه التام ويتخلف الْمُسَبَّب ولا إشكال فيه، ولذلك يقال: لماذا سحر النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يستعيذ بالله صباح مساء؟ أليس كذلك؟ نقول: وُجِدَ السبب التام قطعًا، وقد حَجَبَ الله تعالى أثره لحكمة ولأمر يعلمه جل وعلا وما يترتب عليه مما هو شرع، وأما غيره غير النبي - صلى الله عليه وسلم - فالحال كذلك، قد يبذل السبب التام ولا يترتب عليه الْمُسَبَّب، وأما إذا لم يترتب الْمُسَبَّب حينئذٍ نرجع إلى السبب، إن كان تامًا وتخلف المصنف فيكون لأمر الله جل وعلا، وإذا تخلف الْمُسَبَّب وكان السبب لا على وجه التمام حينئذٍ نقول: قام مانع، ولذلك كل ذِكْرٍ من أذكار الصباح والمساء ودخول الخلاء والخروج .. إلى آخره مما إذا وُجِدَ ترتب عليه أثره في الدنيا من دفع الضر وجلب النفع مثلًا هذا لا يترتب عليه إلا إذا وُجِدَ على وجه الكمال، والنقص بالنقص، الكمال بالكمال والحصة بالحصة، يعني النقص بالنقص، حينئذٍ قد يدخل الخلاء ويقول الذكر الوارد لكنه قد يصيبه ما يصيبه من الأذى، يقول: أنا قلت الذكر عند دخول الخلاء. نقول: لا أنت قلته بلسانك ولم تقله بقلبك. ولذلك ابن القيم رحمه الله تعالى في (( المدارج ) )قال: كل ما رتب على القول فالمراد به القول التام. ما معنى المراد القول التام؟ يعني ما وُجِدَ فيه الظاهر والباطن، يعني لا بد أن يكون متكلمًا بلسانه معتقدًا بقلبه تمام ما دل عليه اللفظ، معلقًا قلبه خوفًا ورجاءً وطلبًا ورغبًا ورهبًا بالله جل وعلا إذ لم يكن كذلك قد لا يترتب عليه الْمُسَبَّب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت