-وجهة ماذا؟ جهة البشرية والإنسانية من حيث هو باعتبار كونه إنسانًا نقول: باعتبار كونه إنسانًا قلبه بيد الله عز وجل، حينئذٍ - ولذلك مرّ معنا بالأمس النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول من دعائه: «اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» . لماذا؟ لأنه يعلم أن تصريف القلب بين يدي الله جل وعلا، إذًا قلبه إن شاء الله تعالى ثبته فثبته، وإن أزاغه وإن لم يكن كذلك من حيث الحال أو من حيث الواقع، إذًا النبي - صلى الله عليه وسلم - له جهتان:
-من جهة كونه بشرًا إنسانًا حينئذٍ لا يمتنع أن يقال له: {وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ، {وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ} .. إلى آخره.
-ومن جهة كونه نبيًّا رسولًا حينئذٍ تأتي العصمة. ولذلك قال ابن عطية هنا: معناه قيل لي ( {وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ} ) هذه لا ناهية، وتدع هذا فعل مضارع مجزوم بلا، فهو عطف على {أَقِمْ} ، لأنه خوطب بالتوحيد {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يونس: 105] ، {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ} هذا أمر بالتوحيد، {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا} هذا هو التوحيد، {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة: 5] ، إذًا أُمِرَ بالتوحيد، وإذا أُمِرَ بالتوحيد نُهِيَ عن ماذا؟ عن ضِدِّه ولا إشكال فيه، فهل نقول: النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يُؤمر بالتوحيد لأنه كامل عليه الصلاة والسلام كمالًا بشريًّا؟ لا، لا يتأتى ذلك. إذًا كما أنه أُمِرَ بالتوحيد وكل نصٍ خوطب به عليه الصلاة والسلام أو خُوطب به الرسل أو الأمة فهو داخلٌ عليه الصلاة والسلام دخولًا أوليًا، فإذا نُهِيَ عن ضد ونقيض التوحيد لا إشكال فيه، نقول: بأنه جُمِعَ بين الأمر لأنه لا يتحقق التوحيد إلا بانتفاء نقيضه وهو الشرك بالله تعالى، إذ يستحيل - هنا تأتي الاستحالة - إذ يستحيل كون المرء مسلمًا موحدًا مشركًا فلا يجتمعان البتة مطلقًا، فإذا وُجِدَ التوحيد على وجه الكمال خرج الشرك على وجه الكمال، والعكس بالعكس. إذًا عطف على {أَقِمْ} ، {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلاَ تَكُونَنَّ} [يونس: 105] توكيد {مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ، الشوكاني رحمه الله تعالى في (( الفتح ) )قال: هذا تعريضٌ يعني ليس للنبي - صلى الله عليه وسلم - {وَلاَ تَكُونَنَّ} إنما هو خطابٌ للأمة وإن صيغ خطابًا للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وإن كان القاعدة الأصولية المعلومة عند الأصوليين أن ما خوطب به النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو للأمة.
وما به قد خوطب النبي ... تعميمه في المذهب السَّنِيّ