الثالث: إن توحيد الربوبية قد أقرَّ المشركون به - في الغالب - وسيأتي معنى إقرارهم وكلام أهل العلم فيهم. توحيد الربوبية أقر به المشركون غالبًا أو قل في الجملة يعني لم يأتوا به على وجه التمام والكمال، لأنهم لو أتوا به لآمنوا واستجابوا، لكنهم لَمَّا لم يستجيبوا لتوحيد الألوهية قالوا: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا} [ص: 5] علمنا أن ثَمَّ خللًا في توحيد الربوبية، وسيأتي كلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
إذًا من الفوارق أن توحيد الربوبية قد أقر به المشركون في الجملة أو غالبًا، وأما توحيد الألوهية فقد رفضوه أصلًا وفرعًا {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا} دل على ماذا؟ على أنهم لَمَّا فهموا من لا إله إلا الله نفي وإبطال تعدد الآلهة وحصر العبادة في معبود واحد وهو الله جل في علاه رفضوا، إذًا توحيد الربوبية أقروا به في الجملة، وتوحيد الألوهية رفضوه أصلًا وفرعًا.
الرابع: إن توحيد الربوبية مدلوله علمي لأنك ماذا؟ تعتقد أن الله عز وجل متصف بصفة الخلق، إذًا علم يقوم في القلب، متصف بصفة الرَّزق، علم يقوم في القلب، كذلك ما اتبع من الأسماء والصفات، المدبر المصرف .. إلى آخره، فهذه تكون من باب العلم. قال ابن تيمية في (( التدمرية ) )- الخاتمة: هذا القسم العلمي دائر هذا من جهة الرب جل وعلا أن يخبر لأنه من قبيل الخبر ولذلك يُسمى التوحيد العلمي الخبري لم قيل الخبري؟ قال: الدائر بين التصديق والتكذيب من جهة المكلَّف، فالله يخبرك، فحينئذٍ أنت أيها المكلف إما أن تصدق وإما أن تكذب، لأن الخبر ما هو ما احتمل الصدق والكذب لذاته، حينئذٍ المخاطب إذا أُخبر {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] المؤمن يقول: استوى على معناه اللغوي ويعتقد ما دل عليه النص، من لم يؤمن يقول: لا حاشا وكلا. فيعترض على النص ويأت بمعان لم تأت، هذا مصدق أو مكذب، قل: مكذب، لم يؤمن بما دلّ عليه النص، كذلك إذا اعتقد أن الله هو الرازق، هو المحيي، هو المميت حينئذٍ نقول: هذا صدَّق ما دلّت عليه النص، إن لم يفرد الرب جل وعلا بهذه الأوصاف واعتقد النفع والضُّرّ في ذلك المقبور نقول: هذا مكذب، إذا اعتقد بأن الله تعالى محيي ومميت وأنه المتصرف في كل شيء، {وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ} [يونس: 31] حينئذٍ إذا اعتقد في المقبور، نقول: هذا مكذب، لِماذا؟ لأن التصديق الذي يكون نافعًا إذا أفرد الرب جل وعلا بتلك الصفة، يعني إذا اعتقد أن الله خالق في قلبه واعتقد أن ثَمَّ مُشارك من ولي وغيره في صفة الرب جل وعلا الخلق هل هذا معتقد بأن الرب خالق؟ هل هذا الاعتقاد وهو الذي أراده الله عز وجل وطلبه من العباد؟ لا، فمن شَرَّكَ في صفة الخلق كمن كذَّب وأنكر، وإن كان أهون من ذلك المنكر كليًّا، إلا أنه لم يأت بما أُمِرَ به، وهو قد أُمر أن يؤمن بما دلت عليه النصوص من إثبات صفة الخلق للرب جل وعلا ونفي هذه الصفة عن غيره، لأن التوحيد هو هذا الشأن إفراد الله بأفعاله، ومن أفعاله الخلق، حينئذٍ يعتقد أن الرب متصف بهذه الصفة، وينفي هذا الوصف عن غيره، فإن سوَّى أو شرَّك حينئذ لم يؤمن الإيمان الذي طُلِبَ منه.