أولًا: الفرق بين النوعين توحيد الربوبية والألوهية، الاختلاف في الاشتقاق، فالربوبية مشتقة من اسم الرب، والألوهية من لفظ الإله، وأعظم خطأ عند الأشاعرة هو تسوية اللفظين، فسَّروا الإله بمعنى الرب، والرب بمعنى الإله، فقالوا: لا إله لا رب لا خالق لا قادر على الاختراع، فلما أخطئوا في اعتقاد أن ثَمَّ ترادفًا بين مفهوم الرب ومفهوم الإله حينئذٍ وقع عندهم خلل في فهم التوحيد، وهذا أصل ضلالهم أنهم قد فسّروا لا إله إلا الله لا خالق أو لا قادر على الاختراع إلا الله، فردوا مفهوم الإله إلى معنى الرب، وهذا خطأ، قد بينا فيما سبق في شرح (( الكشف ) )أو ... (( القواعد ) )- لا أذكر - أن الرب له معنًى في اللغة ومعنى في الشرع وأن الإله له معنى في اللغة وله معنى في الشرع، ولذلك قال عز وجل: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ} [الناس: 1، 2، 3] ، {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ} ، {بِرَبِّ النَّاسِ} ، جاء برب {مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ} ، لو كان رب الناس إله الناس بمعنى واحد لصار فيه تكرارًا، لا لفائدة، حينئذٍ نقول: هذا النص الذي يحفظه الصغير قبل الكبير وإن لم يكن يعي مدلوله دل على أن ثَمَّ فرقًا بين الرب والإله، وهذا يأتي بسطه في الباب السادس إن شاء الله تعالى. إذًا الاختلاف في الاشتقاق كل منهما توحيد الربوبية مصدر مرده إلى الرب، والرب بمعنى المالك والخالق والمدبر والمتصرف. إذًا مرد هذا الاسم إلى أفعاله جل وعلا، وأما الإله فمرده إلى أَلِهَ يَأْلَهَ إِلَهَةً إذا عُبد عبادة، فمرده إلى العبودية، فهو معبود فـ (إله) فِعَال بمعنى مفعول.
الثاني: أن متعلق الربوبية الأمور الكونية كالخلق والرزق والإحياء والإماتة ونحوها، هذه أفعاله جل وعلا وهي علامة تشمل الكافر والمؤمن، تشمل الحيوان والبهائم، الحيوان بمعنى الإنسان - إن رضيتم - فهي عامة أفعاله جل وعلا عامةٌ، تشمل هذا وذاك، ومتعلق توحيد الألوهية الأوامر والنواهي، افعل لا تفعل، لماذا؟ لأن مرده إلى فعل المكلّف، وقد ذكرنا أن توحيد الألوهية هو الذي عناه ابن القيم بقوله: التوحيد العملي. عمل نسبة إلى ماذا؟ إلى فعل المكلّف اعتقادًا وقولًا وعملًا بالجوارح والأركان فهو عام. حينئذٍ كونه عمليًّا نقول دل على أن ثَمَّ فرقًا بين الربوبية والألوهية، مرد الربوبية أفعاله جل وعلا، ومرد الألوهية فعل العبد لأنه افعل ولا تفعل، إما أمرٌ وإما نهي، واجب، مستحب، محرم، مكروه، مباح، هذه أحكام تُنَزّل على ماذا؟ على من؟ على فعل المكلف، ولذلك موضوع علم الفقه أفعال المكلفين من حيث إثبات الأحكام الشرعية الخمسة لها، فعلك هذا حرام، هذا واجب، هذا مستحب، هذا مكروه، هذا مباح. إذًا الفعل منك والحكم من الله تعالى، إذًا أوامر ونواهي، متعلَّق بالألوهية أوامر ونواهي من واجب ومستحب وسائر الأحكام الشرعية.