لأن التوحيد قلنا: له حقيقة شرعية، فمرده حينئذٍ من الشرع، ولكن في الواقع نجد ثَمَّ اختلافًا في فهم التوحيد، ما هو التوحيد الذي جاءت به الرسل، فالمعتزلة لهم فهم خاص، والجهمية لهم فهم خاص، والأشاعرة لهم فهم خاص، والقبورية لهم فهم خاص، وبعض الأحزاب كذلك المعاصرة لهم فهم خاص، حينئذٍ اختلفت المفاهيم في فهم التوحيد، وإذا اختلفوا في شيء وجب رده إلى الشرع، فنجد أن التوحيد له حقيقة شرعية، والغريب أنهم يتفقون في فهم الصلاة والحج والصيام والزكاة وهذه الأشياء التي تكون من الفرعيات، التي هي أدنى من التوحيد بكثير، لأن التوحيد هذا شأنه عظيم، فإذا بهم يتفقون على هذه المفاهيم ويجعلون لها حقائق شرعية، ولا شك أن التوحيد أعظم وأعظم وأعظم من الصلاة فضلًا عن غيرها، فإذا سُلِّمَ بأن الصلاة لها حقيقة شرعية، فالتوحيد الذي خُلِقَ الخلق من أجله أن يكون له حقيقة شرعية من بابٍ أولى، وإذا أجمعوا على حقيقة الصلاة الشرعية فمن بابٍ أولى أن يكون ثَمَّ إجماعٌ على مفهوم التوحيد عند السلف، سواء رضوا أو لم يرضوا، إجماعهم على أن للصلاة مفهومًا شرعيًّا إذا أُطْلِق لفظ الصلاة انصرف إليه، نقول: هذا قول الإجماع نستصحبه في ماذا؟ في فهم أن التوحيد لا بد وأن يكون مجمعًا عليه، فله حقيقة شرعية، حينئذٍ يكون المرد إلى الكتاب والسنة، يجادلك من يجادل بأن التوحيد الذي أُنْزِلَتْ به الكتب وأرسلت به الرسل إنما هو توحيد الربوبية مثلًا، حينئذٍ لا بد أن يكون لك سعة اطلاع في الفرق بين النوعين، وأما في اعتقاد ما جاء في الكتاب والسنة فهذا واضح بين، ولذلك يدرس التوحيد من الجهتين، من جهة التقرير المسائل الشرعية المتعلقة بالتوحيد على طريقة السلف كما ذكرنا، لأن ثم طريقًا للخلف، حينئذٍ طريقة السلف في فهم التوحيد هي التي تقرر وهو أمرٌ سهل واضح بين، ويُنظر في التوحيد من جهة أخرى وهو ما يتضمنه المخالف مما عنده من علمٍ يظن أنه علم حينئذٍ لا بد وأنه قد استند إلى أدلة من كتاب أو سنة أو أقوال لبعض السلف يجعلها ماذا؟ يجعلها أصلًا، ويرد إليها جميع ما ورد في الكتاب والسنة، حينئذٍ لا بد أن تكون على علمٍ بطريقة الرد، أو أولًا بما عنده من خلاف، ما هو التوحيد عند المعتزلة، ما هو التوحيد عند الأشاعرة، ما هو التوحيد عند القبورية، لأنه سيقرر لك أن لا إله إلا الله مفادها كذا، على الفهم السقيم عنده، فإذا لم تكن على علم بذلك حينئذٍ يصعب عليك أن ترد ما عنده من شُبَهٍ، وهذا يُنظر فيه في محله، وقد ذكرنا شيئًا من ذلك في شرح (( كشف الشبهات ) )وخاصة القبورية والأشاعرة فلهم في التوحيد كلام فاسد، وذكرنا شيئًا من ذلك فيما سبق.