فلا زال الحديث في الباب الرابع عشر (باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره) ، (باب من الشرك) أي بعض الشرك الأكبر، (أن يستغيث) يعني الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، هذا المراد من كلام المصنف هنا رحمه الله تعالى، وإلا الأصل الإطلاق أن يستغيث بغير الله فكل استغاثة بغير الله تعالى فهي شرك لو أطلقناها على ظاهرها، ولكن ليس هذا المراد، إنما المراد أن المستغاث به إن كان من المخلوقين وهو حي حاضر، وفي قدرته ما استغيث به، فحينئذٍ لا يكون من الشرك، ولذلك جاء قوله تعالى: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ} [القصص: 15] جاء بلفظ الاستغاثة، وإذا كان كذلك حينئذٍ نقول: قوله (أن يستغيث بغير الله) يعني الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، (أو) هذه للتنويع (يدعو غيره) من باب عطف العام على الخاص، لأن الاستغاثة هي دعاء خاص، بمعنى دعاء المكروب لإزالة الشدة، الدعاء هو طلب، مطلق الدعاء الطلب، والطلب قد يكون لطلب منفعة، يعني لجلب منفعة، أو لدفع مضرة، اللهم ارزقني مالًا، اللهم اكشف ما بي من مرض، حينئذٍ اجتمع فيه ماذا؟ اجتمع فيه طلب المنفعة ودفع المضرة، الاستغاثة، هي نوع خاص من أنواع الدعاء، ولذلك قلنا العطف هنا من عطف العام على الخاص، ويدخله الشرك كما أن السابق يدخله الشرك، كأنه قال: باب بعض الشرك الأكبر الاستغاثة بغير الله وبعض الشرك الأكبر الدعاء غير الله، وهو معطوف على قوله أن يستغيث ولذلك نصب حينئذٍ يؤول بمصدر، كأنه قال: أن يستغيث يعني: الاستغاثة بغير الله، أو يدعو غيره. غيره الله تعالى وهو معطوف على أن حينئذٍ يكون في تأويل مصدر والتقدير بابٌ بعض الشرك الأكبر دعاء غير الله تعالى، وعرفنا في ما سبق أن الدعاء على قسمين:
دعاء مسألة، ودعاء عبادة.
والمراد بدعاء المسألة أن يسأل بلسانه بلسان المقال يا رب يا رب، وأما دعاء العبادة فهو أن يمتثل ما أُمِرَ به في الكتاب والسنة بمعنى أنه يفعل بجوارحه تعبدًا لله تعالى وطلبًا لمرضاته جل وعلا، فحينئذٍ هذا النوع الثاني لا ينفك على النوع الأول ولذلك قلنا كل منهم ملازم للآخر بينهما تلازم، دعاء المسألة يستلزم دعاء العبادة، ودعاء العبادة يتضمن دعاء المسألة، وكل من دلالة الالتزام ودلالة التضمن معتمدة عند أهل اللسان، حينئذٍ تثبت الأحكام الشرعية بدلالة المطابقة، وتثبت الأحكام الشرعية بدلالة التضمن، وتثبت الأحكام الشرعية بدلالة الالتزام، دعاء المسألة يستلزم دعاء العبادة، لماذا؟ لأن السؤال مأمور به {وَاسْأَلُواْ اللهَ مِن فَضْلِهِ} [النساء: 32] أليس كذلك {رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ} [مريم: 4] فحينئذٍ نقول: هذا دعاء، وإذا كان كذلك حينئذٍ نقول: هو عبادة. ولذلك جاء النص «الدعاء هو العبادة» . بمعنى أن من سأل ربه بلسان مقاله فهو عابدٌ لله تعالى ولا إشكال في هذا.