لأن محل العبادة القلب واللسان والجوارح والأركان، هذه محالٌ للعبادة ثلاثة أركان، كل واحدٍ منها يتوجه إليه الأحكام الخمسة وهي: التحريم، والكراهة، والإيجاب، والندب، والإباحة. ثلاثة في خمس بخمسة عشر. ولذلك ابن القيم قال: تدور الراحة العبودية على خمسة عشرة قاعدة من كَمَّلَهَا كَمَّل مراتب العبودية، يعني من أتى بما يجب عليه بقلبه ولم يترك شيئًا منه، وكذلك في المندوبات، وكذلك ترك المنهيات تحريمًا أو كراهةً، وكذلك باللسان، وكذلك بالجوارح والأركان، كَمَّلَ مراتب العبودية، إذًا دخلت العبادات الاعتقادية القلبية التوكل والرجاء والخوف وغيرها والقولية كالتسبيح والتهليل وقراءة القرآن والعبادات العملية كالصلاة، والزكاة، والذبح، والسجود .. إلى آخره هذه كلها عبادات قال: ( {وَلاَ تَدْعُ} ) . والدعاء هو العبادة. إذًا ( {وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ} ) ، يعني لا تصرف أيّ نوع من أنواع العبادة الاعتقادية والقولية والعملية لغير الله تعالى، ففيه عموم وسع دائرة عدم صرف شيء من العبادات لغير الله تعالى، فالآية الكريمة دلت على النهي، والنهي للتحريم هنا أن يتوجه العبد إلى ما هو دون الله تعالى، أو مع الله، يعني لا يستلزم القول ( {مِن دُونِ اللهِ} ) سوى الله، حينئذٍ لو دعا مع الله يكون أدنى؟ لا، المراد أنه أفرد ذلك المعبود بالعبادات، أو عبد الله وعبد غيره، فالمشركون على صنفين على نوعين: مشرك خَلَّصَ العبادة بالمعبود سِوَى الله تعالى، ومشرك سَوَّى بينهما. يعني: يعبد الله ويعبد غيره، يُصلي مع المسلمين ويصوم وقد يحج ويذبح أو يتصدق ويقرأ القرآن وقد يكون من أهل العلم، ولكنه يخرج من القبر فيستغيث هذا جمع بين الأمرين: عبد الله تعالى وعبد غير الله تعالى، حينئذٍ لم يكن موحدًا، ولذلك [قال] إذًا هنا قال: دون الله تعالى، أو مع الله، ولذلك قال: ( {مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ} ) . وسبق معنا أن ابن جرير فسر ما هنا بـ (شيئًا) يعني نكرة، وإذا كانت نكرة حينئذٍ يكون ما بعدها صفةً لها، ما ولا تدع من دون الله شيئًا لا ينفعك هذا صفته، ولا يضرك، إذًا تدعو من؟ تدعو من بيده النفع وبيده الضر، وهذا ليس ثَمَّ إلا لله جل وعلا، ولذلك فسر ابن جرير كما سبق ما هنا بـ (شيئًا) فهو نكرة في سياق النهي، لأنه مفعول تدعو فشمل العقلاء وغيرهم، وأعظم ذلك أن الخطاب وُجِّهَ للنبي - صلى الله عليه وسلم -، كما قلنا فيما سبق أن الصحيح، ( {وَلاَ تَدْعُ} ) الخطاب موجه للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو إمام الموحدين فكيف بمن هو دونه عليه الصلاة والسلام، وهو إن كان معصومًا عليه الصلاة والسلام إلا أنه منهي كغيره، لكن من حيث كونه بشرًا وإنسانًا، هل يمكن أن يقع منه ذلك الشيء؟ الجواب: نعم، هذا الأصل فيه، لكن باعتبار الحال، يعني كونه نبيًا رسولًا هو معصومًا فلن يقع منه الشرك البتة، ( {فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ} ) ، ( {فَإِن فَعَلْتَ} ) يعني دعوت غير الله تعالى، فأطلق الفعل على الدعاء هنا بقسميه، سواء كان ماذا؟ دعاء مسألة أو دعاء عبادة، ولما كان دعاء العبادة أكثر وهو فعل أكثر من ماذا؟ أكثر من دعاء المسألة، ولذلك قال: ( {فَعَلْتَ} ) .