الآية الثانية: قوله ( {وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ} ) . ( {بِضُرٍّ} ) كذلك نكرة في سياق ماذا؟ النفي؟! الاستفهام؟! الشرط، في سياق الشرط ( {وَإِن يَمْسَسْكَ} ) ، ( {يَمْسَسْكَ} ) فعل مضارع مجزوم بـ إن، ( {وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ} ) الفاء واقعة في جواب الشرط، إذًا ( {بِضُرٍّ} ) نكرة في سياق الشرط فيعم، فيعم كل ضُرٍّ، فجميع أنواع الضُّرّ هذه لا يكشفها إلا الله تعالى، سواء كان الضر في الدين، أو في الدنيا، سواء كان من جهة الولد، أو جهة المال، أو جهة البيت، أو العقار أو .. أَو .. قل ما شئت من أنواع الضُّرّ فيختلف هذا باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمان فلا كاشف للضُّرّ إلا الباري جل وعلا، وإذا كان كذلك فمن الذي يتوجه إليه العبد؟ الله عز وجل، وإذا كان كشف الضُّرِّ لا يكون صفةً للمعبودات سوى الله تعالى فحينئذٍ كيف يتوجه العبد لِمَا سوى الله؟ واضح؟ حينئذٍ الذي يُعبد هو الذي ينفع ويضر، وهذا الذي ينفع ويضر هو المستحق للعبادة دون ما سواه، فانحصرت العبادة في الباري جل وعلا، قد يقول قائل: الناس ينفع بعضهم بعضًا ويكشف الضُّرّ بعضهم عن بعض، ففيه معنى جلب المنفعة ودفع المضرة. نقول: ليس في الحقيقة، يعني: الحقيقة في جلب المنفعة هو من الباري جل وعلا، وهذا سبب، ولذلك نقول: إذا أراد أن ينتفع بأخيه المسلم في أيّ أمر ما لا يجوز له أن يعتمد عليه استقلالًا، بل هذا نوع من الشرك يكون شركًا أصغر، فإذا أراد أن تعتمد على شخصٍ ما في جلب منفعة أو في دفع ضر تعتقد أنه سببٌ من الأسباب، وأن الكاشف الحقيقي أو الدافع أو الجالب هو الباري جل وعلا ولو كان فيما يجوز، لماذا؟ لأن الحقيقة في فعل العبد إنما هو من عند الله تعالى، حينئذٍ لا يجلب النفع إلا الباري جل وعلا، وكل مخلوق جرى على يده أو يديه النفع فإنما هو وسيلة فحسب، والذي نفع حقيقة هو الباري جل وعلا، ولذلك انحصر في صفة كون من يستحق العبادة والدعاء هو الذي يملك النفع والضُّرّ حقيقة، وأما المخلوق فلا يملك حقيقة وإنما هي أسبابٌ ظاهرية، إذا كان كذلك حينئذٍ يكون المرد إلى الباري جل وعلا، {وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ} [الأنعام: 17] أي بأي نوعٍ من أنواع الضر {فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ} وهذا يقطع حينئذٍ التوجه لغير الله جل وعلا في ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، وأما ما كان في قدرة المخلوق هذا مرخص فيه - كما مر معنا - لكن مع التأكيد على عدم الاعتماد على المستغاث به لأنه مجرد سبب من الأسباب، لأنه في الحقيقة الذي يكشف الضر هو الله تعالى، وقدرة المخلوق على كشف الضر فيما يقدر عليه فإن الذي مكنه وأقدره إنما هو الله عز وجل، وما هو إلا سببٌ من الأسباب وإلا فالكاشف الحقيقة للضر هو الله عز جل، بل ما سخر قلب هذا لينفعك أو يضرك إلا الله عز وجل، لينفعك أو يدفع عنك الضُّرّ إلا الله عز وجل، لأنك قد تطلب منه منفعةً فينقبض قلبه ولا ينفعك، من الذي يُسَخِّره الله عز وجل، كذلك قد تظن أنه يجلب النفع إذا كان من عند نفسه ويكون هذا النفع في ظاهر أنه نفع لكنه مُبَطَّنٌ بالضر.