هذا من عطف العام على الخاص، قلنا: فيه فائدة عظيمة جدًّا، وهي أن تحقيق العبادة من أسباب الرزق، إذا أردت الرزق الحلال حينئذٍ حقق العبادة، يعني امتثل ما أمكنك امتثاله قدرت عليه من أوامر الباري جل وعلا وأوامر رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وانتهي عن ما نهاك عنه، حينئذٍ نقول: تحقيق العبادة سبب من أسباب الرزق، فيا من أردت الرزق تعبد لله عز وجل، ( {وَاعْبُدُوهُ} ) أمر وهو جامع لنوعي الدعاء، أليس كذلك؟ ( {وَاعْبُدُوهُ} ) جامع لأمري الدعاء، فيشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة، لأن الدعاء هو العبادة، فالدعاء هو العبادة، والعبادة هي الدعاء، أمر جمع نوعي الدعاء دعاء المسألة ودعاء العبادة إذ كل منهما عبادة، إما تضمنًا وإما التزامًا على ما بينا فيما سبق.
الآية الرابعة: ( {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ} [الأحقاف: 5] ) ، دلت الآية على أن ثَمَّ داعٍ ومَدْعُو، قال: ( {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ} ) . ( {مَن لَّا يَسْتَجِيبُ} ) هذا المدعو، و ( {أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو} ) هذا الداعي، إذًا عندنا داعي وعندنا مَدْعُو، والمدعو هنا قال: ( {مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ} ) . ( {مِن دُونِ اللَّهِ} ) هذا دل على أن الْمَدْعُو غير الله تعالى فهو غير الله تعالى، والاستفهام هنا كما مر معنا المراد به ماذا؟ النفي، المراد به النفي، وهذا أبلغ من النفي المجرد لأنه إذا عُدِلَ عن النفي وجيء بالاستفهام حينئذٍ يكون النفي مُشْرَبًا بالتحدِّي، يعني بَيِّن لي من أضل؟ لا أحد. كأن يقول: ائت بصورة هي أضل ممن ذكر؟ ولا يوجد، والاستفهام المراد به النفي وهذا أبلغ من النفي المجرد لأنه يكون مشوبًا بالتحدي ( {مِمَّن يَدْعُو} ) هذا دعاء مطلق هنا، فيشمل دعاء العبادة ودعاء المسألة، ( {مِن دُونِ اللَّهِ} ) غير الله أي سواه، فدلت الآية كالتي قبلها الحكم على من دعا غير الله بأنه أضل الضالين، ( {وَمَنْ أَضَلُّ} ) يعني لا أضل، ممن دعا من دون الله تعالى، وأن العبادة أو الدعاء عبادة، فمن صرفه لغير الله فهو مشرك، فإذا كان من سوى الله ( {لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ} ) فكيف يليق بك، يعني ممن يستغيث بغير الله، كيف يليق بك أن تستغيث به دون الله تعالى؟ حينئذٍ بطل تعلق هؤلاء العابدين بمعبوداتهم، لأنهم ما أرادوا إلا جلب النفع ودفع الضُّرّ، وجلب النفع ودفع الضر إنما هو للباري جل وعلا دون ما سواه، فالآيات كلها تصب في محل واحد.