يقول: تذكُرًا قليلًا من عظمة الله وأياديه عندكم، تذكرون وتعتبرون حجج الله عليكم يسيرة، فلذلك أشركتم بالله غيره في عبادته، قال في (( الفتح ) ): يبين تعالى أن المشركين من العرب ونحوهم قد علموا - يعني في نفوسهم قلوبهم وحالهم - قد علموا أنه لا يُجيب المضطر ويكشف السوء إلا الله وحده، يعلمون ذلك، بدليل ماذا؟ ما الدليل؟ على أنهم إذا جاء بهم الضيق وكانوا في البحر واشتد بهم الريح لجئوا إلى من؟ {دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت: 65] ، إذًا لولا معرفتهم القلبية بأنه لا يجيب المضطر إذا دعاه إلا الله لما لجئوا إليه عند الشدة، حينئذٍ المشركون الذين بُعث فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم - شركهم في الرخاء، يعني وقت ما لم يكن فيه ثَمَّ ضرورة أشركوا بالله تعالى، وأما في وقت الشدة فحينئذٍ يخلصون الله تعالى، هل إخلاصهم الدعاء لله تعالى في حال الضراء نفعهم؟ نفعهم؟ الجواب: لا، ما نفعهم، يعني ما رفع عنهم الشرك، ومع ذلك مع جود الشرك في الرخاء وانتفاء الشرك في الشدة لم ينفعهم، فكيف بمن يُشرك في الرخاء والشدة، فيكون من باب أولى وأحرى، ولذلك شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى قرر في مواضع بأن الشرك المتأخر أعظم من شرك أولئك الذين بُعث فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، واحتج بمثل هذه الآيات في كون المشركين العرب دل القرآن على أنهم ماذا؟ إنما يشركون في الرخاء فحسب، وأما الشدة فحينئذٍ يلجئون إلى الباري جل وعلا، وأما المتأخرون فلا، إذا نزلت الحروب ودخل عليهم التتار لاذوا بقبر أبو عمر غيره، واستغاثوا بهؤلاء الأموات، إذًا عند الضراء لجئوا إلى الأموات، وعند الرخاء لجئوا إلى الأموات فهؤلاء أعظم شركًا من أولئك الذين بُعث فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم -.