قال في (( الفتح ) ): يبين تعالى أن المشركين من العرب ونحوهم قد علموا أنه لا يجيب المضطر ويكشف السوء إلا الله وحده، فذكر ذلك سبحانه محتجًا عليهم في اتخاذهم الشفعاء من دونه، ولهذا قال: {أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} . يعني يفعل ذلك، فإذا كانت آلهتهم لا تجيبهم في حال الاضطرار فلا يصلح أن يجعلوها شركاء لله الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوءَ وحده، وهذا أصح ما فسرت به الآية، فالله تعالى احتج على المشركين بما أقروا به على ما جحدوه من قصر العبادة جميعها عليه. بمعنى أن المشركين كما هو معلوم وسبق تقريره في أوائل الأبواب أنهم أقروا بماذا؟ بتوحيد الربوبية، يعني: بجملته لئلا يعترض معترض أنهم قد يقعون في بعض أفراد الشرك الربوبية كاتخاذ التمائم مثلًا، أليس كذلك؟ هذا نوع من أنواع شرك الربوبية قد يقع منهم، لكن نقول في الجملة، في الجملة أتوا بتوحيد الربوبية، أو بأصوله كـ: الخلق، والرزق، والْمِلْك ونحو ذلك، هذا أو ذاك، حينئذٍ احتج عليهم الباري في غير ما موضع في الكتاب بأنهم يلزمهم الإقرار بأنه لا معبود إلا الله بإقرارهم بتوحيد الربوبية، لأنهم أقروا بأنه الخالق ولا يستحق العبادة إلا من تفرد بالخلق، وأقروا بأنه المالك ولا يستحق العبادة إلا من تفرد بالملك، وكذلك في سوى الأفعال التي تسمى بأفعال الربوبية، حينئذٍ يحتج عليهم على عدم إقراره بتوحيد الألوهية بإقرارهم بتوحيد الربوبية ومع ذلك إقرارهم بتوحيد الربوبية لم ينفعهم، يعني لم يحكم عليهم بكونهم مسلمين بل قاتلهم {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [لقمان: 25] إذًا أقروا بأصلٍ من أصول توحيد الربوبية، هل حكم عليه بالإسلام؟ الجواب: لا. إذًا من يقول ربنا واحد، أرضنا واحدة، نجتمع على معبود واحد، فحينئذٍ نقول: هذه كلها لا تفيد بكون الشخص مسلمًا، بل لا بد من لا إله إلا الله بالمعنى وليس المراد لفظ لا إله إلا الله، ليس كل من تلفظ بلا إله إلا الله فهو مسلم، لا بد أن يأتي بلا إله إلا الله على المعنى الذي بُعثت من أجله الرسل، وهو أنه لا معبود بحقٍ إلا الله، وأن يعمل بمقتضاها وألا يرتكب ناقضًا من نواقضها، فإن لم يعلم معناها أو عَلِمَ ولم يَعْمَلْ أو عَلِمَ وعَمل وجاء بناقضٍ من نواقضه لا تنفعه لا إله إلا الله، تُسَلِّمُون؟ إذًا لا تنفعه إلا إذا جاء باللفظ والمعنى وليس كل معنى، وإنما المعنى الذي بينه الله تعالى، فقلنا: المعنى الذي دلت عليه لا إله إلا الله مقطوعٌ به، بمعنى أنه ليس محلًا للخلاف، فلا يأتي آتٍ يقول: أنا أفهم من لا إله إلا الله كيت وكيت. نقول: لا، وإنما الْمَرَدُّ فيه ماذا؟ الكتاب والسنة، والآيات في ذلك صريحة {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] لا بد من الأمرين مركب من نفيٍ وإثبات {اعْبُدُواْ اللهَ} يعني توجهوا إلى الباري جل وعلا وتذللوا إليه بالطاعة والطاعة هي العبادة {وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} وهو كل ما عُبِدَ من دون الله على المعنى الذي ذكرناه فيما سبق.