إذًا كل منهما التوحيد ونقيضه دل على إيجاب الأول وعلى تحريم الثاني النقل والعقل معًا، ولذلك قال ابن السعدي هنا: فالتوحيد له من البراهين النقلية والعقلية ما ليس لغيره. ولذلك نقول ونؤكد مرارًا: أن دلالة التوحيد لا إله إلا الله على معناه دلالة قطعية. يعني: ليست دلالة ظنية، لأنك لو سلمت بأنها دلالة ظنية حينئذٍ لزمك القول بالاجتهاد في باب التوحيد، وهذا قول باطل، بل القرآن من أوله إلى آخره يدل على أن التوحيد هو لا إله إلا الله وأن معناها الذي لا يحتمل غيره البتة هو لا معبود بحق إلا الله، وهذا كما ذكرنا عليه إجماع الرسل، أليس كذلك؟ وأعلى درجة إجماع من الإجماعات القطعية هو إجماع الرسل أولًا من حيث الثبوت جاء في القرآن {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا} [النحل: 36] .. إلى آخره، {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا} ... [الأنبياء: 25] ، هذا خبر جاء به الباري جل وعلا، إذًا هو قطعي الثبوت، بقي ماذا؟ الدلالة، لأن الثبوت قد يكون قطعيًّا وقد يكون ظنيًّا، وهنا تعين أن يكون قطعيًّا لأنه قرآن، من حيث الدلالة نقول: تكرر التوحيد في القرآن من أوله إلى آخره، وخلق الباري جل وعلا الخلق من الجن والإنس لعبادته وللعمل بمدلول لا إله إلا الله، وأمرهم بهذه الكلمة بلفظها، وبين لهم معناها، ولم يكل في بيان معنى هذه الكلمة إلى أحد البتة، لا إلى الرسل ولا إلى من دون الرسل، وإنما تكفل الباري جل وعلا ببيان معنى هذه الكلمة، وأجمع الرسل والأنبياء على ذلك، وأجمع الصحابة على ذلك، وإلى يومنا هذا وأهل السنة والجماعة مجمعون على أن معنى لا إله إلا الله لا معبود بحق إلا الله، فدل ذلك على أن دلالة التوحيد قطعية، حينئذٍ أيُّ خلاف يرد من الجهمية في معنى التوحيد أو من الصوفية أو من غيرهم، حينئذٍ نقول: هذا مخالف للإجماع القطعي، وقد دل عليه الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة.