فهرس الكتاب

الصفحة 783 من 2014

والمنفية هي الشركية، التي عناها أهل الشرك حينئذٍ هذه تُنافي التوحيد، فلا بد من بيانها، لا بد من معرفة هذه الشفاعة التي يُنظر إليها من جهة كونها مبطلةً للتوحيد فلا بد من الوقوف عليها، وجه إدخال باب الشفاعة في كتاب التوحيد أن الشفاعة الشركية تُنافي التوحيد، والبراءة منها حقيقة التوحيد. إذًا لا بد من ولاء وبراء، حينئذٍ معرفة هذا النوع لا بد منه، ثم ما سبق ذكره من كون حجة المشركين في التوجه والتقرب إلى هذه المعبودات إنما أرادوا بها ماذا؟ التقرب إلى الله تعالى {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] ، القرآن من أوله إلى آخره يُبَيِّن أن حجة المشركين في التوجه إلى هذه المعبودات إنما هو من جهة التقرب واتخاذهم وسائط بينهم وبين الله تعالى، ولذلك هم أرادوا تعظيم الباري كما سيأتي، ولكنهم في الواقع وفي نفس الأمر تَنَقَّصُوهُ بصرف العبادة لغير الله تعالى، وذكر هذا الباب بعد البابين السابقين لمناسبةٍ، وهي: أن المشركين إذا أقيمت عليهم الحجة بما سبق من توحيد الربوبية، أليس كذلك؟ قلنا: البابان السابقان فيهما الاحتجاج بتوحيد الربوبية على إثبات توحيد الألوهية، إذا أُورد على المشركين ما سبق من توحيد الربوبية قالوا: نحن نعتقد ذلك. أنه لا خالق إلا الله، ولا مالك إلا الله، ولا رازق إلا الله، فكأنهم يُسَلِّمون بما مضى، قالوا: نحن نعتقد ذلك، ولكن هؤلاء مقربون عند الله. جاءت الشبهة هنا لكن هؤلاء، يعني المعبودات من أصنام وغيرها مقربون عند الله ومعظمون، [وله أو] لهم جاهٌ عند الله، وإذا كانوا كذلك فهم يشفعون عند الله تعالى، ولذلك حكى الله تعالى عنهم أنهم قالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا} . انظر هنا الصيغة صيغة حصر {مَا} نافية، و {إِلَّا} مثبتة، وهذا كما مرَّ معنا مرارًا أنه أعلى صيغ الحصر، يعني ليس لنا غرض في هذه المعبودات إلا ماذا؟ إلا اتخاذها وسائط بين العابد وبين الباري جل وعلا، فَلِجَاهِهِم من تَوَجَّهَ إليهم أَرْضَوْهُ بالشفاعة، وهذا الذي عناه الشيخ السعدي بقوله هنا: إنما ذكر المصنف الشفاعة في تضاعيف هذه الأبواب لأن المشركين يُبررون شركهم ودعائهم للملائكة والأنبياء والأولياء بقولهم: نحن ندعوهم مع علمنا أنهم مخلوقون مَمْلُوكُون ولكن حيث إن لهم عند الله جاهًا عظيمًا ومقامات عالية ندعوهم ليقربونا إلى الله زلفى، وليشفعوا لنا عنده، كما يتقرب إلى الوجهاء عند الملوك والسلاطين ليجعلوهم وسائط لقضاء حاجاتهم وإدراك مآربهم، وهذا من أبطل الباطل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت