فهرس الكتاب

الصفحة 784 من 2014

إذًا في هذا الباب كشف حقيقة الشرك عند المشركين ماذا أرادوا بشركهم؟ هل أرادوا أن يتجهوا إلى هذه المعبودات من الملائكة والأصنام وغيرها لذاتها أم لكونها واسطة بينها وبين الله تعالى؟ لا شك أنه الثاني، ولذلك حكى الله تعالى عنهم في غير موضع بأنهم قالوا قاطبةً: أنهم ما توجهوا إلى هذه المعبودات يعتقدون فيها ماذا؟ أنها هي الخالق، وأنها هي التي تملك السماوات والأرض، لا، إنما يعتقدون ذلك في الباري جل وعلا، وإنما لكون هذا العابد يعتقد في نفسه الضعف والتقصير والذنب ونحو ذلك حينئذٍ نَزَّهَ الباري جل وعلا أن يتوجه بمثله الذي فيه ما فيه أن يتوجه إلى الباري مباشرةً، ولما كان لهذه الملائكة والأنبياء والصالحين مكانةً عند الله تعالى حينئذٍ اتخذوهم وسائط، يعني قاسوا الخالق جل وعلا على ملوك الأرض، قالوا: ملوك الأرض هؤلاء لا يمكن الدخول عندهم إلا بوسطاء من الوزراء ونحوهم، لا يقضي حوائجهم إلا ذلك، حينئذٍ قاسوا الباري جل وعلا على ما يعتقدونه من جهة هؤلاء المخلوقين، فبدلًا من تنزيه الباري جل وعلا على أن تُصرف العبادة لغيره جل وعلا صرفوا تلك العبادة لغيره من أجل أن تكون ثَمَّ وجاهة عند الله تعالى من جهة هؤلاء المعبودات. إذًا (باب الشفاعة) أراد به المصنف بيان حال هؤلاء المشركين في دعواهم أنهم ما تقربوا إلى هذه المعبودات إلا من أجل هذه الشفاعة، وهذه الشفاعة شركية بمعنى أنها هي عين الشرك الأكبر، إذًا من معرفة التوحيد لا بد أن نعرف ضده، ما هو الضد؟ الشرك الأكبر وله أنواع، وله جهات حينئذٍ لا بد من معرفة الشفاعة الشركية لنعرف حقيقة الشرك عند أولئك الأقوام قديمًا وحديثًا، فليس الأمر كما ذكرنا سابقًا ليس الأمر متعلقًا بالمتقدمين فقط، الذين بُعِثَ فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل حتى من المعاصرين إلى زماننا هذا وإلى أن يشاء الله تعالى حجتهم أن هؤلاء الأولياء لهم قُرْبٌ ولهم جَاهٌ عند الله فتوجهوا إليهم بتلك العبادة من أجل أن ينفعوهم، أو يدفعوا عنهم الضر عند الباري جل وعلا، بل وصل الحال إلى أنهم قد اعتقدوا التصرف في الملكوت، يعني أشد كفرًا وشركًا من المتقدمين، لماذا؟ لأننا كما ذكرنا أن أولئك سَلَّمُوا بتوحيد الربوبية بالخالقية لله جل وعلا، وأن الذي يُدبر هو الله تعالى، والذي يتصرف في الأمور هو الله تعالى، والذي يحيي ويميت ويمنع ويعطي ويضُرّ وينفع هو الله عز وجل هذا حقيقة في الأصل، لكن أولئك المتأخرون اعتقدوا أن هؤلاء الأولياء لهم تصرف في الملكوت، ولذلك قد يَنْسِبُون إليهم الخلق قد ينسبون لهم التصرف في السماوات وفي الأرض وما يتعلق بالمناخات ونحوها وكذلك الأراضين وجلب الرزق ودفع المضار كل ذلك يعتقدون أنهم لذواتهم لا لكونهم لهم جاهًا عند الله، بل لذواتهم، وهم الذين يملكون ذلك، وهذا فاقوا مَنْ قبلهم، قوله: (باب الشفاعة) . أطلق المصنف هنا كما تَرَوْن لم يحكم عليها بماذا؟ بأنها شرك، لأن كل ما مكان فيه تفصيل حينئذٍ لا بد من الإطلاق، لأنه قال: (باب الشفاعة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت