(وقوله) الآية الثانية: ( {قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} [سورة الزمر: 44] ) . هذه الآية الثانية من قوله تعالى: ( {قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} ) . وقبلها مما يبين معنى هذه الآية قوله عز وجل: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} [الزمر: 43، 44] . إذًا ( {قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} ) هذا جواب، ( {قُل} ) يا محمد للمشركين ( {لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} ) لقوله: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} . قوله جل وعلا: {أَمِ اتَّخَذُوا} أي بل اتخذوا، فأم هنا منقطعة، أي المشركون، يعني بمعنى بل كما سيأتي في كلام الشوكاني رحمه الله تعالى. {أَمِ اتَّخَذُوا} أي بل اتخذوا أي المشركون، والهمزة للإنكار، {مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ} أي تشفع لهم عند الله بزعمهم، وهذه حجتهم كما قال عز وجل: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يونس: 18] . وقال سبحانه: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} . وزلفى هنا كما ذكر الشوكاني عن غيره من المفسرين المراد بها الشفاعة، {زُلْفَى} أي شفاعة، حكاه الواحدي عن كثير من المفسرين {إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [الزمر: 3] ، فكذبهم الله عز وجل وكفرهم بذلك، قوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} . {كَفَّارٌ} هذا تكفير لهم، وفيه فائدة وهي إطلاق الكفر على الشرك، إذ هذا شرك واضح بين، والصواب أن الشرك والكفر مترادفان، هما بمعنى واحد، لكن يغلب استعمال الشرك في الشرع في ماذا؟ في اتخاذ الند لله عز وجل، ويكثر استعمال الكفر في ما عدا ذلك، وإلا قد يطلق الشرك على الكفر، ويطلق الكفر على الشرك، وهذا دليل واضح بَيِّن، فهذا هو مقصود المشركين ممن عبدوهم وهو الشفاعة لهم عند الله تعالى.
وقوله: {مِنْ دُونِ اللَّهِ} أي من دون إذنه وأمره، يعني الشفاعة كما علمنا أنها قسمان: شفاعة منفية، وشفاعة مثبتة.
الشفاعة المثبتة بشرطها أو شروطها الآتية، حينئذٍ من دون الله، أي من دون إذنه وأمره، والحال أنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، وأن يكون المشفوع له مُرْتَضَى، يعني رضي الله تعالى قوله وعمله، وها هنا الشرطان مفقودان، يعني في هذه المعبودات التي اتُّخِذَت شفعاء من دون الله تعالى الشرطان مفقودان.
الأول: عدم الإذن.
والثاني: عدم الرضا عن الشافع والمشفوع.