فهرس الكتاب

الصفحة 807 من 2014

لأن الشافع الذي هو الصنم هذا لم يجعل الله عز وجل له إذنًا في ذلك ولم يجعل، ولذلك قلنا فيما مضى أن الشفاعة في هذا النوع مستحيلة غير ممكنة، وأما ما كان بإذنه فهي جائزة ممكنة، وأما شفاعة الملائكة دون إذن الباري جل وعلا أو الأصنام أو المعبودات والآلهة من دون الله تعالى فهذه غير ممكنة، إذًا ها هنا الشرطان مفقودان:

الأول: عدم الإذن.

والثاني: عدم الرضا عن الشافع والمشفوع.

فإن الله سبحانه لم يجعل اتخاذ الشفعاء ودعاءهم من دونه سببًا لإذنه، أليس كذلك؟ إذن الله تعالى لا يُنال إلا بطاعته والتوحيد والإيمان كما سيأتي (من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: «من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه» ) ، إذًا من لم يقل ذلك فلا حظ له في الشفاعة، فإن الله سبحانه لم يجعل اتخاذ الشفعاء ودعاءهم من دونه سببًا لإذنه ورضاه، بل ذلك السبب لمنعه وغضبه، إذًا فهنا سبب ممنوع وعندنا سبب مشروع، أليس كذلك؟ السبب الممنوع هو اتخاذ الأنداد من دون الله تعالى، والسبب المشروع هو أن تكون الشفاعة بإذن الله تعالى، وثانيًا أن يكون ثَمَّ رضا عن الشافع والمشفوع. وقوله: {قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ} أي أيشفعون ثَمَّ محذوف، {أَوَلَوْ كَانُوا} ، {أَوَلَوْ} الواو هذه عاطفة، وعطفت ما بعد الواو على ما قبلها، أيشفعون ولو، أيشفعون ولو كانوا على هذه الصفة كما تشاهدونهم جماداتٍ لا تقدر ولا تعلم، وأموات كذلك حتى ولا يملكون الشفاعة، كما قال: {قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} . فاللام هنا للمِلْك، يعني الذي يملك الشفاعة جميعًا هو الباري جل وعلا ( {قُل} ) يا محمد ( {لِّلَّهِ} ) مِلْكًا واستحقاقًا، وقوله: ( {لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ} ) . مبتدأ وخبر، أين المبتدأ؟ الشفاعة، لله هذا خبر مقدم أفاد الحصر والقصر، أي لله لا لغيره، إذًا حصر الشفاعة بأنواعها في الله عز وجل مِلْكًا واستحقاقًا، فهو الذي يملكها سواء لمن أَذِنَ له أو لا؟ فإذا لم يأذن فحينئذٍ لا يستحق الشفاعة، وإذا أذن فحينئذٍ هي مِلْك له فهو الأصل في ذلك. قال هنا: و ( {لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ} ) مبتدأ وخبر، وقدَّم الخبر لإفادة الحصر. أي هي ملك لله تعالى لا لغيره، فليس لمن تُطلب منه شيء منها، مَنِ الذي طُلِبَتْ منه؟ المعبودات مثلًا، ليس له شيء البتة من هذه الشفاعة، فهو أي الباري جل وعلا مَالِكها كلها دون ما سواه، لأن ذلك عبادة وتَأَلُّهٌ لا يصلح إلا له تعالى، لأن الذي يتخذ الشفعاء لا بد أن يتقرر بسائر المعبودات، وهم عبدوهم من دون الله، قالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ} . إذًا أقروا بماذا؟ أقروا بأن هذه عبادة، فصرفوا أنواعًا من العبادات لغير الله تعالى من الذبح والاستغاثة والدعاء، لماذا تصنعون ذلك؟ قالوا: {لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} . إذًا اعترفوا بأنهم تقربوا إلى هذه المعبودات بسائر العبادات وسموها عبادة، فحينئذٍ نقول: هذا التأله وهذا التعبد لا يصلح إلا لله تعالى، فحينئذٍ يكون صرف العبادة بذلك شركًا أكبر. إذًا هي مِلْكٌ لله فهو مالكها دون ما سواه لأن ذلك عبادة وتألهٌ لا يصلح إلا له تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت