هذا الباب نوع من الباب الذي قبله، لأن الهداية هداية التوفيق طلبها مما يختص بالباري جل وعلا، حينئذٍ هو كشأن المغفرة والرضا ودخول الجنة والنجاة من النار، هذا لا يكون طلبه إلا من الله تعالى، فلا يُطلب من ... النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا من غيره، حينئذٍ يكون هذا الباب جزءٌ أو جزءًا من الباب السابق، أنه نوع من الباب الذي قبله فيه الرد على عُبَّاد القبور الذين يعتقدون في الأنبياء والصالحين أنهم ينفعون أو يضرون، ويسألونهم قضاء الحاجات وتفريج القربات وهداية القلوب وغير ذلك من أنواع المطالب الدنيوية والأخروية. فإذا عرف الإنسان معنى هذه الآية الآتية، ومن نزلت فيه، تبين له بطلان قولهم وفساد شركهم لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفضل الخلق وأقربهم من الله تعالى، وأعظمهم جاهًا عنده ومع ذلك حرص واجتهد غاية الاجتهاد عليه الصلاة والسلام على هداية عمه أبي طالب في حياته وعند موته، فلم يتيسر ذلك ولم يقدر عليه وهذا يدل على ماذا؟ على أنه لا يملك شيئًا لعمه لا في الدنيا ولا في الآخرة، كما مرّ معنا في قوله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران: 128] . ثم استغفر له بعد موته فلم يُغفر له أيضًا لا في حياته ولا بعد موته حتى نهاه الله عن ذلك، ففي هذا أعظم بيانٍ وأوضح برهانٍ على أنه - صلى الله عليه وسلم - لا يملك نفعًا ولا ضرًّا، ولا عطاءً ولا منعًا، وأن الأمر كله بيد الله تعالى، وإذا كان الأمر كذلك بطلت عبادته - صلى الله عليه وسلم -، فكل من توجه للنبي - صلى الله عليه وسلم - بالاستغاثة أو بالشفاعة الشركية، حينئذٍ نقول: هذه العبادة باطلة، لماذا؟ لأن التوجه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - توجه إلى من لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا فضلًا عن غيره، ومرّ معنا مرارًا أن من تتعلق به القلوب هو من بيده النفع والضُّرُّ، وذلك خاص بالباري جل وعلا، إذًا بطلت عبادة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهل يُعْبَدُ النبي؟ نقول: نعم، كثيرٌ من الناس تعلقوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فصاروا يسألونه الجنة وعدم دخول النار، ويستشفعون به، ويستغيثون به في الحياة الدنيا. نقول: هذا كله يعتبر من الشرك الأكبر، فبطلت عبادته والتعلق به عليه الصلاة والسلام لجلب النفع ودفع الضر، وإذا بطلت عبادته فالتعلق به لذلك وهو أشرف الخلق عليه الصلاة والسلام فعبادة غيره أولى بالبطلان، لأنه أفضل الخلق بالإجماع، فأفضل الخلق بالإجماع هو النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإذا كان لا يحل لمسلم أو لإنسان أن يتعلق بالنبي - صلى الله عليه وسلم - على جهةٍ قضاء الحاجات وتفريج الكربات مما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل فغيره مَن دونه من باب أولى وأحرى، فإذا كان التعلق بالنبي - صلى الله عليه وسلم - يُعتبر من الشرك الأكبر فما بالك بالتعلق بالبدوي والسيد وعلي بن حسين وعلي بن أبي طالب وغيرهم ممن صاروا آلهةً يُعبدون من الله تعالى.