قوله: (باب) . عرفنا المراد به فيما سبق، (ما جاء) أي من الدليل والبرهان، (ما جاء) وعرفنا أن جاء في هذه الموارد المراد به الورود المجيء المعنوي ليس المجيء الحسي، يعني ورد وثبت من البرهان والدليل في ماذا؟ في (أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين) في أن السبب في اللغة الحبل الذي يُصْعَدُ به النخل، الحبل هذا في أصل إطلاقه يُطلق على الحبل الذي يوصل به ويصعد به إلى النخل حينئذٍ صار ماذا؟ وسيلة إلى غيره، ولذلك سُمِّيَ سببًا، وجمعه أسباب، سَبَب فَعْل يُجْمَعُ على ماذا؟ على أَفْعَال أَسْبَاب. قال: {فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ} [ص: 10] . جمع سببٍ، والمراد بالسبب في الأصل هو الحبل، سُمِّيَ به لأنه يُتَوَصَّلُ به في الصعود إلى النخل، والإشارة بالمعنى إلى نحو قوله: {أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ} [الطور: 38] . {سُلَّمٌ} يعني سبب، عَبَّرَ بالمعنى، فكل ما يُتوصل به إلى شيء ما سُمِّيَ ماذا؟ سُمِّيَ سببًا في لسان العرب، وهنا عَبَّرَ بالمعنى، {أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ} ، السُّلّم سبب، والذي يرتقى به على السطح مثلًا يُسمى سببًا، لأنه توصل به إلى الصعود إلى أعلى البيت مثلًا، وسُمِّيَ كل ما يُتَوَصّل به إلى شيء سببًا، هذه القاعدة في السببية. قال تعالى: {وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا * فَأَتْبَعَ سَبَبًا} [الكهف: 84، 85] . ومعناه كما قال في المفردات: أن الله تعالى آتاه من كل شيء معرفةً وذريعة يُتوصل بها فأتبع واحدًا من تلك الأسباب. وعلى ذلك قوله تعالى: {أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ} [غافر: 36، 37] . أي: لعلي أعرف الذرائع والأسباب الحادثة في السماء فأتوصَّلُ بها إلى معرفة ما يدعيه موسى، فالسبب حينئذٍ في هذه المعاني كلها الذي يجمعه هو ما يُتوصّل به إلى غيره، {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ} [الحج 15] .