وهذا احتمالٌ وإن كان هو ظاهر النص لكن ليس هو المراد لما سيأتي في آخر الحديث يعني: لو وقفنا عند قوله: ( «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم» ) . حينئذٍ الإطراء الذي يكون كإطراء النصارى وهو جعله إلهًا أو ابنًا لله تعالى بحيث يُجعل له من خصائص الألوهية ما جعل لابن مريم عليه السلام، ويحتمل أن هذا النهي وهو أظهر أنه عام يشمل ما أطرت النصارى ابن مريم وغيره كذلك فيشمل ما يشابه غلو النصارى في عيسى ابن مريم وما دونه، لأنه ليس أعلى من مقام الألوهية، رفعوا عيسى عليه السلام إلى مقام الألوهية، إذًا لا نقول: ما فوقه. لأن ليس ثَمَّ مقامٌ آخر، وإنما هو ما دونه. إذًا فيشمل ما يشابه غلو النصارى في عيسى ابن مريم وما دونه، ويكون قوله: ( «كما أطرت» ) لمطلق التشبيه لا للتشبيه المطلق، فرق بين النوعين، التشبيه المطلق يعني: الذي هو كاملٌ ليس ثَمَّ فرد إلا هو، حينئذٍ إذا قلنا بأن التشبيه هنا هو المقيد للنهي ( «لا تطروني» ) كإطراء النصارى يعني هذا المثال فقط، فما عداه ليس منهيًا عنه، هذا تشبيه مطلق. وإذا قلنا: بأنه مطلق التشبيه فحينئذٍ يكون ( «كما أطرت» ) هذا مثالٌ، أليس كذلك؟ ومر معنا أن الكاف مثلًا تأتي استقصائية وتأتي تمثيلية. تمثيلية بمعنى أن المذكور مثال وما عداه مثله في الحكم، واستقصائية يعني ماذا؟ استقصائية يعني ما بعدها لا يكون ثَمَّ فرد غيره البتة، ولذلك لو قلنا مثلًا: أولى العزم من الرسل كعيسى ابن مريم، عيسى ابن مريم هذا مثال تمثيلية، لأن ثَمَّ من هو غير عيسى ابن مريم عليه السلام، لو قلنا: خليل الرحمن كمحمدٍ وإبراهيم، الكاف هنا استقصائية لأنه ليس ثَمَّ إلا محمد - صلى الله عليه وسلم - وإبراهيم الخليل. إذًا فرق بين النوعين، كذلك التشبيه المطلق التام إذا قيدنا ( «لا تطروني» ) بالمذكور فحينئذٍ ليس ثم إلا المذكور فما عداه ليس داخلًا لا في النهي، وإذا قلنا: مطلق التشبيه فحينئذٍ ( «كما أطرت النصارى ابن مريم» ) يكون ماذا؟ يكون مثالًا، فيكون ( «لا تطروني» ) عام وذكر له مثال ولا يمنع غيره، ففرق بين النوعين، فيكون على الثاني بأن النهي هنا عام وهو أظهر والله أعلم، يكون قوله: ( «كما أطرت» ) لمطلق التشبيه لا للتشبيه المطلق؛ لأن إطراء النصارى عيسى ابن مريم سببه الغلو لهذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ويرجح هذا قوله: ( «إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله» ) .