فهرس الكتاب

الصفحة 890 من 2014

قوله: ( «إنما أنا عبد» ) هذا فيه ماذا؟ فيه حصر فليس لي حقٌ مما يختص به الرب جل وعلا، لا في الألوهية، ولا في الربوبية، لأنه ليس ثَمَّ إلا ربٌ ومربوبٌ، وليس ثَمَّ إلا خالقٌ ومخلوقٌ فبين النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه عبدٌ مخلوق، فإذًا ليس له حظ من الربوبية ولا من الألوهية، فيه رد على من غلا فيه - صلى الله عليه وسلم - ... ( «فقولوا: عبد الله ورسوله» ) أي لا تمدحوني فتغلوا في مدحي كما غلت النصارى في عيسى فأدعو فيه الربوبية والإلهية، وإنما أن عبد لله ورسوله فصفوني بذلك كما وصفتي به ربي فقولوا عبد الله ورسوله، فحينئذٍ نهى ووجه، بمعنى أنه نهى أغلق الباب وجعل بديلًا - إن صح التعبير - هنا في هذا المقام، وليس بأمر مطرد كلما جاء النهي عن شيءٍ معين في الكتاب والسنة قلنا: لا بد من بديل؟ لا، وإنما قد يأتي وقد لا يأتي كما قررناه فيما سبق، قد يأتي بديل وقد لا يأتي بديلٌ، وهنا نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن إطرائه والغلو في مدحه، فقال: ( «فقولوا: عبد الله ورسوله» ) حينئذٍ يكون هذا الوصف شرعيٌ يعني: جاء به الشرع وأمر به النبي - صلى الله عليه وسلم -. فصفوني بذلك كما وصفني به ربي فقولوا عبد الله ورسوله لا تجاوزوا هذا القول، فأبى الأكثر من المشركين أو فأبى المشركون كلهم إلا مخالفة أمره وارتكاب نهيه، وعظموه بما نهاهم عنه، وظنوا أنهم إذا وصفوه بأنه عبد الله ورسوله، وأنه لا يُدْعَى ولا يستغاث به، ولا ينذر له ولا يطاف بحجرته، وأنه ليس له من الأمر شيء، ولا يعلم من الغيب إلا ما علمه الله أن في ذلك هضمًا لجنابه وغضًا من قدره. يعني: إذا وافق الشرع ووصفوه بما وصف به نفسه عليه الصلاة والسلام، حيث قال: ( «فقولوا: عبد الله ورسوله» ) ظنوا ذلك بأنه ماذا؟ تنقص لجناب النبي - صلى الله عليه وسلم - فرفعوه فوق منزلته عليه الصلاة والسلام، وادعوا فيه ما ادعته النصارى في عيسى أو قريبًا منه، فسألوه مغفرة الذنوب وتفريج الكروب، وهذا واقع في هذا الزمان وقبله، بل قالوا: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - يعلم مفاتيح الغيب التي لا يعلمها إلا الله. ادعوا ذلك كذبًا وزورًا كما قيل ومر معنا:

فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم

وهذا مر معنا أنه كفر بالله تعالى، فجعل الدنيا والآخرة من جوده، يعني مما جاد به النبي - صلى الله عليه وسلم - على البشرية خلق الدنيا والآخرة، وجزم بأنه يعلم ما في اللوح المحفوظ، وهذا لا شك أنه كفر وردة عن الإسلام، بل قالوا: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - يعلم ما يعلمه الله ويقدر على ما يقدر الله عليه. تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، ومنهم من قال في قول الله تعالى: {وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفتح: 9] . أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو الذي يُسَبَّحُ بكرة وأصيلًا، وهذا من الكذب على الله تعالى، لا شك أن التسبيح عبادة حينئذٍ صرفها لغير الله تعالى يعتبر ماذا؟ يعتبر شركًا أكبر، التسبيح من خصائص الباري جل وعلا، {وَتُسَبِّحُوهُ} أي الباري جل وعلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت