ومنهم من يقول: نحن نعبد الله ورسوله. حكاه ابن تيمية في الاقتضاء، منهم من يقول: نحن نعبد الله ورسوله. فيجعلون الرسول معبودًا، وصرحوا بذلك، وهذا لا شك أنه كفر صريح، فضاهوا النصارى في غلوهم وشركهم مع أنه نهى عليه الصلاة والسلام. (قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم» ) ومع ذلك [لم يمتثلوا أمره عليه الصلاة والسلام] [1] لم يمتثلوا نهيه عليه الصلاة والسلام فضاهوا النصارى في غلوهم وشركهم وناقضوا أمره أعظم مناقضة، وأظهر لهم الشيطان هذا الشرك في قالب التعظيم للنبي - صلى الله عليه وسلم - ومحبته والتوحيد والإخلاص في قالب التنقص، يعني التوحيد والإخلاص هو ماذا؟ هو وصف النبي - صلى الله عليه وسلم - بما وصفه الله تعالى وبما وصف به نفسه عبد الله ورسوله، جعلوه ماذا؟ تنقصًا لجناب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وجعلوا رفعته فوق منزلته وادعاء علم الغيب والطواف بحجرته وسؤاله تفريج الكربات ومغفرة الذنوب جعلوه ماذا؟ هو الدليل على محبته فعكسوا الأمر فجعلوا الإسلام كفر والكفر إسلامًا، وهذا لا شك أنه باطل.
والتعظيم المشروع في حقه - صلى الله عليه وسلم - محله القلب واللسان والجوارح، يعني له محال ثلاث: القلب، واللسان، والجوارح.
فأما التعظيم بالقلب: فيما يتبع اعتقاد كونه عبدًا رسولًا كما قال عليه الصلاة والسلام من تقديم محبته على النفس والولد والوالد والناس أجمعين. وهذا لا شك أن أصله ماذا؟ أصله القلب فيعتقد بقلبه معنى كونه عبدًا، بمعنى أنه ماذا؟ عبد لا إله، ورسول يعني لا يهان، فكل منهما رد على الطائفتين، ويصدق هذه المحبة ليست مجرد دعوى وإنما يصدقها أمران:
أحدهما: تجريد التوحيد الذي بُعث من أجله - صلى الله عليه وسلم -، فإنه كان عليه الصلاة والسلام أحرص الخلق على تجريده، يعني تجريد التوحيد لله رب العالمين، بمعنى تخليته وتخليصه من كل ما يشوبه حتى قطع أسباب الشرك ووسائله من جميع الجهات، يعني نهى عن الشرك، ونهى عن كل سبب ووسيلة موصلة إلى الشرك، كما سيأتي في باب عقده المصنف لذلك. فتعظيمه حينئذٍ بموافقته عليه الصلاة والسلام على ذلك لا بمناقضته فيه، بموافقته لا بمناقضته فيه، فتجريد التوحيد دليل على صدق المحبة، وأما أنه يأتي بما يناقض هذا الأصل وهو الإخلاص لله عز وجل وإفراده بالعبادة دون ما سواه، ثم يدعي المحبة والمتابعة للنبي - صلى الله عليه وسلم - فهذه محبة لا أثر لها البتة، وإنما هي مجرد دعوى، والعبرة هنا بالحقائق لا بالأسماء لا بالأوصاف، وإنما العبرة بماذا؟ بالحقائق والمعاني، فمن سمّى التوحيد شركًا، أو سمّى الشرك توحيدًا نقول: هذا لا ينفعه البتة، لأن العبرة بالحقيقة.
الثاني: تجريد متابعته فلا بد من هذين الأمرين الذي عليهما مدار قبول العمل، وهما: الإخلاص لله تعالى، والمتابعة للنبي - صلى الله عليه وسلم -. فلا ولن يقبل عمل للعبد إلا إذا أتى بهذين الشرطين الذين تنبني عليهما صحة العبادة وقبولها.
(1) سبق.