فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 2014

وهي السبب الباعث على الإيجاد، حينئذ يسمى علة غائية وهي متقدمة لأنها أصل الفكرة وهي منتهية من حيث الوجود، على كلٍّ ليست العلة الغائية منحصرة في الشرعية، إذا التعليل في الآية ( {إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ) ليس من قبيل العلة العقلية، وهي الملازمة لمعلولها، وإلا للزم أن يكون الخلق من الجن والإنس كلهم عبادًا لله يتعبدون له. إذًا ( {إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ) جعلها على أن العلة عقلية كل إنسي وكل جني فهو عابد لله، لماذا؟ لأن اللام هنا للتعليل وهي علة عقلية، هل هذا المعنى يستقيم؟ الجواب: لا. من لاحظ قال: لا بد من صرف ظاهر الآية، فإما أن يحملها على عام ويريد به الخصوص، وإما أن يجعلها مخصصة بنصوص أخرى. إذا قلنا: التعليل هنا شرعي حينئذ لا تلازم بين العلة والمعلول، فلا إشكال. يكون في النص، وإلا لزم أن يكون الخلق من الجن والإنس كلهم عباد الله يتعبدون له. هذه إذا فسرناه بمعنى العقل، وليس الأمر كذلك، وإنما المراد من التعليل ذكر الغاية والمقصود من هذا الخلق، لكنها قد تقع وقد لا تقع، وهذا من الفوارق بين العلتين.

العلة العقلية المعول ملازم للعلة، لا بد من إيقاعها، فإن تخلفت صار قدحًا في العلة.

وأما التعليل الشرعي فلا ( {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ) هذه علة شرعية، قد يعبدون وقد لا يعبدون، إذًا لا تنافي بين الخلق وبين الأمر بالعبادة. وإنما المراد من التعليل ذكر الغاية والمقصود من هذا الخلق، لكنها قد تقع وقد لا تقع.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وهذه الآية تُشبه قول الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ} [النساء: 64] إذا إطاعة الرسول هي الحكمة من الإرسال، ثم قد تقع وقد لا تقع، صحيح؟ نعم، وهذه الآية تُشبه قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ} ثم قد يطاع وقد يعصى، وكذلك ما خلقهم إلا لعبادته، ثم قد يعبدون وقد لا يعبدون.

وهذا مراد ابن تيمية ومن تكلم بهذه الآية الرد على من حمل (اللام) هنا للعلة العقلية، يعني هذا الكلام ليس هكذا عبثًا جاء، وإنما مرادهم بهذا النصّ التنصيص أن المراد هنا التعليل ليست العلة العقلية كما حمله بعض المفسرين، (وكذلك ما خلقهم إلا لعبادته ثم قد يعبدون وقد لا يعبدون، وهو سبحانه لن يقول إنه فعل الأول وهو خلقهم ليفعل بهم كلهم الثاني، نعم. قال:( {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ} ) أسند الفعل هنا (الخلق) إليه بالتاء ( {خَلَقْتُ} ) ، ... (يعبدون) الواو هنا هي الفاعل ففعل الأول وهم يفعلون الثاني، وما أنبأنا أو أخبرنا بأنه فعل الأول ليفعل بهم الثاني كما فعل بهم الأول ففرق بين الخلق والعبادة.

وهو سبحانه لم يقل إنه فعل الأول وهو خلقهم ليفعل بهم كلهم الثاني وهو عبادته، ولكن ذكر الأول ليفعلوا هم الثاني، فيكونوا هم الفاعلين له، فيحصل لهم بفعلهم سعادتهم ويحصل ما يحبه ويرضاه منهم ولهم). انتهى كلامه رحمه الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت