(باب ما جاء من التغليظ فيمن عَبَدَ الله عند قبر رجل صالح) ، القبر هو مقر الميت، مقر ومستقر الميت، وهو مصدر قَبَرْتُهُ جعلته في القبر، وأَقْبَرْتُهُ جعلت له مكانًا يُقْبَرُ فيه، يعني: فرق بين قَبَرْتُهُ وَأَقْبَرْتُهُ، قَبَرْتُهُ هذا جعلته في القبر، يعني: أدخلته الذي هو القابر أدخله وباشر إنزاله في القبر، تقول: قَبَرْتُهُ. وَأَقْبَرْتُهُ، يعني جعلت لهم هيئتُ له مكانًا فرق بين النوعين، ومصدر قَبَرْتُهُ جعلته في القبر، وَأَقْبَرْتُهُ جعلتُ له مكانًا يُقبر فيه، فالهمزة حينئذٍ غيرت المعنى، نحو أسقيته جعلت له ما يُسقى منه، قال تعالى: {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} [عبس: 21] . قيل: معناه أُلْهِمَ كيف يُدفن، هكذا قيل، وقال الشوكاني رحمه الله تعالى: {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} أي: جعله بعد أن أماته ذا قبرٍ يُوارى فيه إكرامًا له. أي: جعله بعد أن أماته ذا قبر يُوارى فيه إكرامًا له، ولم يجعله مما يلقى على وجه الأرض تأكله السباع والطير هكذا قال الفراء، وقال أبو عبيدة: جعل له قبرًا وأمر أن يقبر فيه. ولم يقل قَبَرَهُ لأن القابر هو الدافن بيده، قَبَرَ يعني دفن بيده باشر الدفن، وأما أَقْبَر فهذا هيئ له مكانًا يُقبر فيه، أو إن شئت قل جعل له مكانًا يُقبر فيه، وأما الْمَقْبَرة بفتح الميم وكذلك بكسرها وتفتح الباء وتضم مِقْبَرَة ومَقْبَرَة مَقْبُرة وَمَقْبَرة، حُكِيَ كذلك الكسر، والمَقْبَرة بفتح الميم والمِقبرة بكسر الميم موضع القبور يُسمى ماذا؟ يسمى مَقْبَرَة مِقْبَرة موضع القبور، يعني المكان الذي يدفن فيه يسمى مقبرةً ولو كان واحدًا، ولا يُشترط فيه ماذا؟ الإحاطة بسور ونحوه فنقول هذا مقبرةٌ، والمقبرة موضع القبور وجمعها مقابر، قال تعالى: {حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} [التكاثر: 2] . وهذا كناية عن الموت، {حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} قيل: مفتخرين بالأموات كما سيأتي، والمقابر قال الشوكاني: جمع مقبرة بفتح الباء وضمها مَقْبَرة مَقْبُرة يجوز فيه الوجهان، وعَبَّر عن موقعهم بزيارة المقابر لأن الميت قد صار إلى قبره، يعني عَبَّرَ عن {حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} قلنا ماذا؟ هذا يُدل على الموت كناية عن الموت، عَبَّر عن الموت بالزيارة لأن هذا شأن الزائر أنه يأتي وقتًا ثم يذهب، كذلك شأن من قُبِرَ في قبره أنه وقت يسير ثم بعد ذلك يزول عن موضعه فهو أشبه بالزائر، وعَبَّر عن موتهم بزيارة المقابر لأن الميت قد صار إلى قبره كما يصير الزائر إلى الموضع الذي يزوره، يعني: لا يُطيل فيه المقام، هذا على قول من قال إن معنى {زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} متم، وأما على قول من قال: إن معنى {زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} ذكرتم الموت وهذا مما جاء فيه ولا تقولوا: هُجْرًا، يعني: لا تقولوا كلامًا باطلًا قد كان العرب فيما سبق إذا زاروا المقابر عددوا مفاخر الموتى فلان بن فلان له وله .. إلى آخره مما يُذْكَرُ به، قال: إن معنى ... {زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} ذكرتم الموت وعَدَدْتُمُوهُم للمفاخرة والمكاثرة فيكون ذلك على طريق التهكم بهم، وقيل: إنهم كانوا يزورون المقابر فيقولون: هذا قبر فلان، وهذا قبر فلان يفتخرون بذلك.