وهذا نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عنه، بل جُعِلَ عِلّة النهي في قوله: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور» . مثل ذلك، وقوله: (فيمن عَبَدَ الله عند قبر رجل صالح) . (صالح) مرّ معنا هو القائم بحق الله تعالى وبحق عباده، فالصالح حينئذٍ له معنى شرعي له حقيقة شرعية جاء إطلاقه في الشرع، فحينئذٍ نقول: هو القائم بحق الله تعالى وبحق عباده. يعني جمع بين الأمرين، مأخوذ من الصلاح ضد الفساد، صالح مأخوذ من الصلاح ضد ماذا؟ ضد الفساد، يعني: الصالح ضد الفاسد، والصلاح ضد الفساد، وهما يعني الصلاح والفساد مختصان في أكثر الاستعمال بالأفعال، وقُوبل في القرآن تارة بالفساد وتارة بالسيئة، يعني: الصلاح قوبل في القرآن مرةً بالسيئة ومرة بالفساد، قال تعالى: {خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآَخَرَ سَيِّئًا} [التوبة: 102] . إذًا قابل السيئ بماذا؟ بالصالح، وقال تعالى: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} . قابل الفساد بالإصلاح، إذًا هما متقابلان، وقوله: (عَبَدَ الله) أطلق المصنف العبادة هنا، ما وجه إطلاقه؟ لأنه لم يقيد جاء بالفعل، ومعلوم أن الفعل الماضي كذلك المضارع عند الأصوليين يعتبر من قبيل المطلق، والمطلق عام أو لا؟ فيه عموم فيه شمول؟ نعم فيه شمول، لكنه ليس شمولًا دفعيًّا، يعني يشمل الجميع، وإنما هو شمول بدلي، حينئذٍ نقول: يصدق على كل عبادة أنها مما يُفعل عند القبر أنها داخلةٌ في هذا النص، (عَبَدَ الله) أطلق المصنف، يعم أو لا يعم؟ نقول: نعم يعم، يعم كل عبادة، ما وجهه؟ أنه فعل والفعل من قبيل المطلق عند الأصوليين، ولذلك لم يقيده عبدَ الله بتلاوة القرآن، بالصلاة بالدعاء لنفسه، بماذا بالصدقة عند القبر يعم ذلك؟ نقول: نعم يعم ذلك، ما وجهه؟ عدم التقييد والفعل يدل على الإطلاق، فأطلق المصنف العبادة، ولم يُقيدها بنوع معين، فيشمل كلّ ما يتعبد به لله تعالى مما لا يختص بالمكان، كأن يتعبد الله تعالى بقراءة للقرآن مثلًا، أو صلاةٍ ونحوها أو صدقة أو غير ذلك، (عَبَدَ الله) نقول: يشمل كل ما يُتَعَبّد به لله تعالى مما لا يختص بالمكان، مما لا يختص بالمكان هذا نذكره احتياطًا أو احترازًا عما جاء الإذن به كالدعاء لهم، أليس كذلك؟ كالسلام هل هو عبادة أم لا؟ نقول: عبادة. إذًا فُعل عند القبر؟ فُعل عند القبر، مأذون به أو ممنوع؟ مأذون به، إذًا أطلق المصنف ومراده ماذا؟ مما لم يأتِ الإذن به من جهة الشرع، وأما ما أُذِنَ فيه كالسلام عليهم هذا عبادة، الدعاء لهم سؤال الله تعالى الرحمة والمغفرة والعفو لهم نقول: هذا كله يعتبر ماذا؟ مما أُذِنَ به، كذلك على قول مَنْ يجوز الصلاة في المقابر أو على الميت في إذا دفن حينئذٍ نقول: عبد الله تعالى، لكن ذلك يعتبر من المأذون وليس داخلًا فيما عناه المصنف رحمه الله تعالى، (فكيف إذا عبده) أي يكون أشد وأعظم، والضمير في (عبده) يعود إلى من؟ إلى الرجل الصالح، لأنه قال: (باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده) .