يعني إذا عبد ذلك الرجل الصالح، فالضمير في (عَبَدَهُ) يعود إلى الرجل الصالح الميت، وكيف على بابها، وهو الاستفهام ويحتمل أن المراد بها التعجب، بمعنى أنه إذا جاء التغليظ فيمن عبد الله تعالى وحده يعني لم يقصد إلا الباري جل وعلا فهو مخلص، لكن أوقع العبادة في مكان محذور شرعًا، وهو عند قبر رجل صالح، فكيف إذا توجه إلى المقبور نفسه؟ فمن باب أولى وأشد أن يكون التغليظ منصبًا عليه. وقوله: (عند) . هذا يدل على ماذا؟ على القرب، فكيف إذا كان على نفس القبر فيكون من باب أولى وأحرى.
مراد المصنف من قوله: (باب ما جاء من التغليظ) .. إلى آخره، أي باب ذكر ما ورد في النصوص، ودائمًا يعبر المصنف ما جاء، المجيء في الأصل أنه حسيّ لكنه هنا يُعَبَّرُ به عن المعنويات عن المعنى والمراد به وورد النص، فجاء النص ورد النص، حينئذٍ نقول: هذا باعتبار المعاني سواء سميته مجازًا أو لا، أي باب ذِكْرِ ما ورد في النصوص من التغليظ والتهديد والوعيد الشديد على من يعبد الله عند قبر رجلٍ صالح مع أنه لا يقصد إلا الله تعالى، لم ينوِ شيئًا آخر، وإنما قصد الباري جل وعلا، ومع كونه معصية فهو وسيلة وذريعة من أعظم الوسائل والذرائع إلى الشرك، حينئذٍ اجتمع فيه أمران من جهتين:
أولًا: من جهة كونه معصية لورود النهي واللعن - كما سيأتي -.
-: ثم من جهة المعنى أنه يؤول إلى ماذا؟ إلى الشرك، وكل وسيلة تؤول إلى الشرك فحكمها التحريم.
إذًا التحريم منصب على هذا الفعل من جهتي: من جهة النص وكونه معصية، ومن جهة كونه وسيلةً إلى الشرك. وكلما أفضى إلى الشرك فهو ماذا؟ فهو حرام، ما أوصل إلى المحرم فهو محرم، والوسائل لها أحكام الغايات، ومع كونه معصيةً فهو وسيلةٌ وذريعة من أعظم الوسائل والذرائع إلى الشرك، وقد أبدى - صلى الله عليه وسلم - وأعاد وكرر وغلَّظ في ذلك، فكيف إذا عبد الرجل الصالح فإنه أحق وأولى بما هو أعظم من هذا التغليظ، حينئذٍ ذِكْر المصنف هنا لما سيأتي ذكره من الأحاديث هو من باب سد الذرائع، يعني من باب ماذا؟ حماية جناب التوحيد، فهو وسيلة للشرك، فإذا كان هذا محرمًا لكونه وسيلة إلى الشرك حينئذٍ نقول: الشرك نفسه يُعتبر ماذا؟ محرمًا ويستدل بهذه النصوص على ذلك.