فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 2014

والجن عالم غَيْبِيّ مَخْفِيّ، وأصل المادة تدل على الاستتار والخفاء كما سبق معنا في (( الأصول ) )، ومنه الْجَنة والْجِنة والْجُنة كلها تدل على معنى الاستتار، فهم مخلوقون من نار كما قال تعالى: {وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ} [الرحمن: 15] سُمُّوا جِنًّا من اجتنانهم يعني استتارهم عن العيون - هذا الأصل - وإن ظهروا لبعض الناس هذا الظهور لا ينفي عن كونهم جِنًّا، يعني إذا قيل بأنه جِنِّيّ لِماذا هو جِنِّيّ؟ لكونه مستترًا، فإن ظهر رأيته أنت مثلًا يظهر لبعض الناس، نقول: ظهوره لبعض الناس لا يلزم منه نفي علة التسمية عنه، سُمُّوا جِنًّا لاجتنانهم أي استتارهم عن العيون.

وقوله: ( {وَالْإِنسَ} ) أي البشر، الإنس المراد به البشر، سُمُّوا بذلك لأن بعضهم يأنس ببعض، الإنس من الأُنس، يعني الإنسان لا يستطيع أن يعيش لوحده (مدني بالطبع) كما يقال. حينئذ لا بد وأن يأنس إلى غيره، من ذلك سُمُّوا إنس، لأن بعضهم يأنس ببعض، فهم لا يعيشون بدون إيناس، ففيه معنى الإيناس هكذا قيل، والحركة أيضًا لأن بعضهم يتحرك إلى بعض، يعني لا بد من ارتباط العلاقة بعضهم ببعض، إذا فيه معنى الحركة وفيه معنى الإيناس، ولا بأس أن يُقال بهما في لفظ واحد ( {إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ) ، (إلا) استثناء وإيجاب و (اللام) للتعليل والمراد به التعليل الشرعي كما ذكرناه سابقًا والنون ( {لِيَعْبُدُونِ} ) للوقاية، النون هنا للوقاية لأن اللام هذه يُنصب الفعل بعدها بأن مضمره جوازًا حينئذ كيف ذكرت النون، نقول: هذه النون ليست نون الرفع، نون الرفع حذفت أصلها ليعبدونني، حُذِفَتْ نون الرفع وحذفت الياء، الياء هنا حذفها، حذف الياء هنا (ياء المتكلم) تخفيفًا لغة فيها، يعني ليس لعلة صرفية حذفت هكذا، مثل ... {فَبَشِّرْ عِبَادِ} أصله عبادي، عبادِ بالكسرة تقف عليها بالسكون بالكسرة، لو لم تكن ياء لقال فبشر عبادَ، صح؟ لو لم تكن الياء مقدرة والكسرة قبلها دليل عليها لقال: فبشر عبادَ، بالنصب على أنه مفعول به لكان تقول: {فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ} [الزمر: 17، 18] فدل على أن ثَمَّ ياءً محذوفة وهذه الكسرة دليل عليها. إذًا ( {إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ) النون هنا نقول: ثابتة، ولكنها ليست نون الرفع، فلا تعارض بأن يقال: فعل مضارع يُنصب بعد اللام (لام التعليل) فكيف ثبتت النون هنا؟ نقول: رحمك الله! اذهب وتعلم، هذه النون ليست نون الرفع حتى يُورد هذا الاعتراض، وإنما هذه النون نون الوقاية.

وَقَبْلَ يَا النَّفْسِ مَعَ الْفِعْلِ التُزِمْ ... نُونُ وِقَايَةٍ وَلَيْسي قَدْ نُظِمْ

وَلَيْسي، لَيْسني هذا هو الأصل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت