والمصنف كثيرًا ما يُفسر العبادة بالتوحيد كما قال في (( الأصول الثلاثة ) ): ومعنى (يعبدون) يوحدون، وهل هذا تعريف بالمرادف أو تعريف للشيء ببعض أفراده؟ الثاني أو الأول؟ الثاني كما ذكرناه في (( شرح الأصول ) )تعريف للشيء ببعض أفراده، المصنف يعلم أن العبادة لا، ليست خاصة بالتوحيد، وأن ثَمَّ أمورًا مأمور به من جهة الشرع وليست هي في أصل التوحيد، فأطلق العبادة، وفسرها بالتوحيد من باب تفسير الشيء بما لا يتم إلا به، كأنه قال: ( {إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ) إلا ليوحدون، والعبادة لا تصح إلا بالتوحيد فذكر أهم الأفراد، أعظم الأفراد الذي تقوم العبادة هو التوحيد، العبادة بدون توحيد مهما وجدت ولو كان من أعبد الناس، ولو كان من أصوم الناس، حينئذ نقول: عبادة لا أثر لها، لماذا؟ لوجود الشرك، فنقض التوحيد يكون بالشرك الأكبر.
هل تُسمى عبادة؟ نقول: في الشرع لا تُسَمَّى عبادة البتة، والمصنف كثيرًا يعني في كتبه ما يفسر العبادة بالتوحيد. قال في (( ثلاثة الأصول ) ): ومعنى يعبدون يوحدون أي يفردون بالعبادة وهذا هو التوحيد. قال ابن عباس: كل موضع في القرآن ( {اعْبُدُواْ اللهَ} ) فمعناه وَحِّدُوا الله. أيضًا تفسير للشيء ببعض أفراده، يعني بما لا تصح العبادة إلا به. وذكر الطبري عن ابن عباس في قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} أي إياك، {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} تفسير الفاتحة {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} بماذا فسَّر نعبد ابن عباس هنا؟ إياك نوحد ونخاف ونرجو يا ربنا لا غيرك. وذلك لأن العبادة مبنية على التوحيد، فكل عبادة لا توحيد فيها ليست بعبادة، وإن سَمَّاها بعض أهل العلم بأنها عبادة نول: إما أنها من باب التوسع، أو المجاز، أو باعتبار ظنه هو أنه يعبد الله عز وجل، وأما شرعًا فلا. قال تعالى في الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» . [ها] ... «عمل عملًا» ، إذًا «تركته وشركه» دلَّ على أن عبادته تلك ليس بعبادة، لماذا؟ لكونه قد شَرَّك غير الله فيها، لذلك قال: «وشركه» . أطلق عمَّم، مع إنه قد فعل في ظنِّه ما هو عبادة يتقرب به لله عز وجل، فقال الله تعالى: «تركته وشركه» . وإلا فالتوحيد من العبادة، وهي أعمّ منه، فحينئذ فسِّر الشيء ببعض أفراده وخَصَّصَ التوحيد لكونه شرطًا في صحة العبادة، ولذلك قرن بينهما في قوله تعالى: ( {وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا} ) . أمر بالعبادة ونهى الشرك، ودلالة الاقتران هنا معتبرة، فدلّ على أن نفى الشرك شرط في صحة العبادة. والعبادة نوعان:
-عبادة كونية.
-وعبادة شرعية.
يأتي ذكرها في الدرس القادم والله أعلم.
وصلّى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.