أي أنت تنفذ ما قدرته وبعض الناس يُقدِّر ثم لا يُنفذ، و {خَلَقْتُ} ) هنا بمعنى أوجدت، والجن والإنس على ما سبق الحديث بشيء عن المعنى والاشتقاق {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا} )، {إِلَّا} ) أداة استثناء، استثناء مفرغ {لِيَعْبُدُونِ} ) اللام هذه لام التعليل كما سبق أن المراد بالتعليل هنا التعليل الشرعي لذلك تسمى (اللام) لام الحكمة وما بعدها يكون مطلوبًا شرعًا، ثم قد يقع وقد لا يقع، يعني لا يلزم أن الله تعالى فعل الأول وهو الخلق ليفعل بهم الثاني، وهو تعبيدهم له جل وعلا، وإنما فعل الأول ليفعلوا هم الثاني لذلك واضح من حيث المفردات {وَمَا خَلَقْتُ} ) أضاف الخلق إليه، التاء تاء الفاعل ( {إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ) أضاف الفعل إلى الجن والإنس، وهذا ضمير مشترك بين الجن والإنس. إذًا (اللام) هذه للتعليل، وبعض أهل البدع يُنكر ذلك ولا يجعلها للتعليل لأن أفعال الرب جل وعلا لا تُعلل عندهم، ومذهب أهل السنة والجماعة وهو فيه خلاف عند أهل السنة والجماعة لكن المرجح عند أهل السنة والجماعة أن أفعال الرب جل وعلا معللة، لا يفعل شيء إلا لحكمة، قد تخفى وقد تظهر، وظهورها قد يكون من جهة الشرع، وقد يكون من جهة النظر، وهذا واضح بَيّن، ولذلك نقول: (اللام) هنا للتعليل كما هو مذهب أهل السنة والجماعة. أي: جمهورهم، والنون هنا للوقاية كما ذكرناه سابقًا، والكسرة هذه دليل على الياء المحذوفة وهي لغة، ولا إشكال فيه، وثابت من حيث لسان العرب، وكذلك جاء في القرآن {فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ} ... [الزمر: 17، 18 عبادِ لم يقل بشر عبادًا بالنصب وإنما قال: {فَبَشِّرْ عِبَادِ} . والمصنف رحمه الله تعالى كثيرًا ما يفسر العبادة بالتوحيد، ولذلك قال في هذه الآية في (( ثلاثة الأصول ) )ومعنى يعبدون يوحدون. أي يفردوني بالعبادة، وهذا هو التوحيد. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كل موضوع في القرآن اعبدوا الله فمعناه وَحِّدُوا الله. اعبدوا الله أي وَحِّدُوا الله، وذكر الطبري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [الفتحة: 5] أي إياك نوحّد ونخاف ونرجو يا ربنا لا غيرك، وإنما اقتصر المصنف في تفسير العبادة في مثل هذه المواطن خاصةً في هذه الآية بالتوحيد لأهمية التوحيد في صحة العبادة، بل هو شرط في صحتها كالطهارة بالنسبة للصلاة، كذلك التوحيد بالنسبة لجنس العبادة، فلا تصح العبادة إلا بالتوحيد كما أن الصلاة لا تصح أبدًا إلا بالطهارة مع القدرة عليها، وذلك لأن العبادة مبنية على التوحيد فكل عبادة لا توحيد فيها ليست بعبادة وإن سماها صاحبها عبادة، إن سماها عبادة فليست بعبادة.