وإذا أطلق أهل العلم العبادة على مثل هذه الأمور كمن تعبد عند القبور ونحوها فهذه عبادة باعتبار ظنه هو، لأن العبادة لا تصح إلا بالإخلاص لله عز وجل، فإذا سَلَّمْنَا بأن ما فعله عبادة حينئذٍ وقعنا في التناقض كيف نقول: هي عبادة، ثم نقول: هي باطلة لانتفاء الإخلاص. والعبادة لا تصح إلا بالتوحيد، حينئذٍ نقول: انتفاء الإخلاص دليل على بطلان العبادة، فالعبادة باطلة، كما إذا عبادةً مخلصًا لله تعالى فيها ولكنها مبتدعة نقول: هذه عبادة باطلة، لماذا؟ لوقوعه في شيء منهي عنه وهو كونها بدعة «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» . مردود عليه: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» . أي مردود عليه. حينئذٍ إذا أوقع عبادةً على أي وجهٍ كان ولم تكن مشروعة ولو كان مخلصًا فهي باطلة، ولو كانت النية حسنة، النية الحسنة لا تكفي في تصحيح العبادة، بل لابد من أن تكون العبادة مبنية على الإخلاص وعلى المتابعة، فان انتفى الأول فالشرك، وإن انتفى الثاني فالبدعة، هما أمران متلازمان.
فكل عبادة لا توحيد فيها ليست بعبادة وإن سماها أو ظنها صاحبها عبادة، وإن أطلق بعض أهل العلم لفظ العبادة عليها فهو من باب التجوز والتوسع. قال تعالى في الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل» من هذه صيغ عموم «من عملًا» أيًّا كان - «أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» . سَمَّى أهل العمل الذي يظنه أنه عبادة سماه ماذا؟ شِرْكًا «تركته وشركه» . مع أنه قال في الأول: «من عمل عملًا» . يظنه أنه عبادة لله عز وجل ولكنه لَمَّا وقع الشرك فيه أطلق الرب جل وعلا عليه أن شِرْك وخلاه وشركه، هذا يشمل ما إذا كانت العبادة موافقة في الظاهر لِمَا جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - أو لم تكن كذلك، وإلا فالتوحيد من العبادة، يعني جزء منها من العبادة فهو نوع منها فرد من أفرادها، وهي أي العبادة أعم منه، فحينئذٍ فسر الشيء ببعض أفراده، وهذا ورادٌ في لسان العرب وفي الشرع، أنه يُفسر الشيء ببعض أجزائه فيكون من باب إطلاق الكل مرادًا به الجزء، سواءً سُمِّيَ حقيقة أو مجازًا إلا أنه مستعمل في لسان العرب وكذلك في الشرع، حينئذٍ ما الفائدة؟ ما الارتباط بين إطلاق الجزء وإرادة الكل؟ قد يكون على جهة الرُّكْنِيَّة، وقد يكون على جهة الشَّرطية، أو جهة أخرى غير ذلك، ولذلك استدل أهل العلم ومنهم ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه (( حكم تارك الصلاة ) )بقوله جل وعلا: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143] قال: أطلق الإيمان هنا على الصلاة فدل على انتفاء الإيمان بانتفاء الصلاة،، فالمناسبة هنا من إطلاق الكل وهو الإيمان، الإيمان أعم من الصلاة قطعًا وهذا واضح بَيِّن، أطلق الكل الإيمان على الصلاة لماذا؟ ما المناسبة بينهما؟