قال: العرب لا تُطلق ذلك إلا إذا كان ينتفي الكل بانتفاء الجزء، لا تُطلق الكل مرادًا به الجزء إلا إذا كان الجزء له تأثير في وجود ماهية الكل، وهنا كذلك واضح بَيِّن {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} أي صلاتكم، لماذا عَبَّر بالإيمان عن الصلاة؟ لأن الإيمان ينتفي ويزول بزوال الصلاة، وهذا واضح بَيِّن مع الأحاديث مع الإجماع إجماع السلف الدالة على أن تارك الصلاة كافر، وأما الخلاف المتأخر فلست مسئولًا عنه، أنت مسئول عن تقرير الحكم الشرعي من حيث الكتاب والسنة، فإذا دلّ الكتاب والسنة على كفر تارك الصلاة - والأدلة مطلقة - فحينئذٍ يشمل أو أقل ما يُصدق عليه أنه كافر إذا ترك فرضًا واحدًا متعمدًا من غير عذر شرعي حتى يخرج الوقت. وأما الخلاف فلست مسئولًا عنه، لست مكلَّفًا في البحث لماذا اختلف أهل العلم؟ ولماذا جمهور أهل العلم؟ ولماذا مالك لم يكفره؟ ولماذا الشافعي .. إلى آخره، لست مكلَّفًا بذلك، إن وجد جواب واضحٌ بين فبها ونعمة، وإلا لست مكلفًا، وإنما أنت مأمور بالنظر في دلالة الكتاب والسنة، فإذا دلّ الدليل من حيث نص القرآن والنص النبويّ كذلك طرق الاستدلال على أن تارك الصلاة كافر كَفِّرْهُ وأنه كافر كفر أكبر واضح هذا؟ حينئذٍ نقول: إطلاق الكل مرادًا به الجزء لا بد من علاقة بينهما. وهنا ( {إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [سورة الذاريات: 56] ) أطلق الكل مرادًا به الجزء وهو التوحيد، لأن التوحيد شرط في صحة العبادة، ولا تصح العبادة إلا بانتفاء الشرك، ولذلك قرن بينهما كما سيأتي في الآية الثالثة أو الرابعة ... ( {وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا} [سورة النساء: 36] ) دلالة الاقتران ضعيفة عند جمهور الأصوليين إلا أنه ينظر فيها في بعض المواضع من حيث السياق ودلالة الاقتران، وهذه معتبرة هنا في هذا الموضع، دلالة الاقتران هنا معتبرة، فحينئذٍ جمع بينهما، أمر بالعبادة ونهي عن الشرك فدل على أنه لا عبادة إلا مع انتفاء الشرك، هذا واضح بَيِّن. إذًا التوحيد جزء من العبادة، والعبادة أعمّ منه، فحينئذٍ تفسير الشيء ببعض أجزائه تفسير صحيح ولا بأس به ولا يُراد به حصر العبادة في التوحيد أو التوحيد في العبادة.
(العبادة) ما هي العبادة؟ العبادة نوعان كما سيأتي لكن ننظر فيها من حيث المعنى اللغوي ومن حيث المعنى الشرعي.
العبادة لغةً: الذل والخضوع. يقالوا: طريقٌ معبد إذا وطأته الأقدام، فهو مذلل مُهَيَّأ للناس. قال الجوهري رحمه الله: أصل العبودية الذل والخضوع - العبودية من حيث هي في المعنى اللغوي تشتمل على معنى الذل والخضوع - [أي نعم] قال الجوهري: أصل العبودية الذل والخضوع. أي: كل اشتقاقات الكلمة من عَبَدَ عِبَادَةً وتَعَبَّدَ، وعُبُودِيَّة ومَعْبُودِيَّة ونحو ذلك كلها تدور على معنى واحد وهو أصل الذل والخضوع، هذا في لسان العرب.