فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 2014

وأما في الشرع فعِبَادَة فِعَالَة مصدر قد يراد به المعنى المصدري وقد يراد به المعنى الاسمي، يعني: نقل من المصدرية فجعل علمًا، وهذا شأن المصادر، قد تطلق المصادر ويراد بها المعنى المصدري يعني نفس الحدث، فالكلام نفس الكلام، والجلوس نفس الجلوس، يعني الذي سُمِّيَ به هذا الاسم، فحينئذٍ العبادة فِعَالَة مصدر قد يراد به المعنى المصدري وهو فعل الفاعل، وقد يراد به المعنى اللقبي العَلَمِي الذي عرف به شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

إذًا لها استعمالان في الشرع:

-استعمال بالمعنى المصدري، معناه المصدري.

-واستعمال بالمعنى الاسمي أو العلمي أو اللقبي.

فالعبادة تُطلق مصدرًا ويراد بها التَّعبد التَّفعل، تعبد لله عز وجل وهذا معناه المصدري، أي فعل الفاعل، فِعْلُكَ أنتَ، قيامك واتجاهك للقبلة ركوعك سجودك نفس الفعل يُسَمَّى عبادة، ففِعل الفاعل يُسَمَّى، وهذا هو المعنى المصدري الذي يُطلق عليه بأنه التعبد.

إذًا العبادة هي التعبد، والتعبد هو: المعنى المصدري وهو غاية الحب وغاية الذل، بجمع هذين الأمرين حُبّ وذل، ثُمَّ شرط فيهما أن يكونا مصطحبين، ثُمَّ شرط في كل واحد منهما أو منهما أن يكونا غاية يعني المنتهى، وأما أصل الذل فلا يكفي، وأصل الحب فلا يكفي، والذل وحده دون الحب، والحب دون الذل لا يكفي، لا بد من هذه الأمور تكون مجتمعة حتى تصح العبادة شرعًا بالمعنى المصدري ويكون الإنسان متعبدًا لله عز وجل.

إذًا هو غاية الحبّ وغاية الذل فجمع بينهما، والغاية المنتهى والكمال والتمام، فأصل الذل لا يكفي للتعبد، بل لا بد من تمامه وكماله وبلوغ غايته، وأصل الحب كذلك لا يكفي للتعبد بل لابد من التمام والكمال وبلوغ الغاية.

قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير العبادة بهذا المعنى: هي عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف. يعني أعمال القلوب. فأصل أعمال القلوب المحبة والخضوع الذي هو الذل، ويزاد معه الخوف كذلك، لأن الحب الكامل مع الذل الكامل يتضمن طاعة المحبوب والانقياد له - هذا على مذهب أهل السنة والجماعة - أن أعمال القلوب لا تكون معتبرة شرعًا إلا إذا أثمرت ظاهرًا، يعني استلزمت الطاعة، فإن وجدت الطاعة الفعل الظاهر، حينئذٍ صح دعوى قيام هذه الأفعال بالقلب، وإذا انتفى الطاعة الظاهر - أعمال الجوارح دَلَّ على كذب دعوى أن القلب قد وُجِدَ فيه الذل والخضوع. إذًا هما متلازمان إذا وُجِدَ الذل والخضوع والخوف على وجه الكمال استلزم الطاعة، أن يكون ممتثلًا لأمر الله جل وعلا مجتنبًا لنهيه، فإن لم يوجد مع دعوى الحب والذل نقول: هذه دعوى كاذبة غير مقبولة، إذ التلازم بين الظاهر والباطن هذا معتبر في صحة دعوى الإيمان، لا يكون الإيمان شرعًا ثابتًا موجودًا إلا إذا جُمِع بينهما بين الظاهر والباطن. هنا قال ابن كثير في تعريف العبادة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف لأن الحب الكامل مع الذل التام يتضمن - يتضمن دلالة التضمن - طاعة المحبوب والانقياد له، فالعبد هو الذي ذَلَّلَهُ الحب والخضوع لمحبوبه، فطاعة العبد لربه تكون بحسب محبته وذله له، فالأصل هو الذل والخضوع المستلزم للطاعة. إذا لا بد من اجتماع الأمرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت