الرابع: التنبيه على العلة في المنع من البناء عليها واتخاذها مساجد، وهذا سبق في الباب السابق وهذا الباب. إذًا أنها إذا عُبِدَتْ سُمِّيَتْ أوثانًا ولو كانت قبور الصالحين، فالمقصود من الترجمة (باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يُصَيِّرُهَا أوثانًا تعبد من دون الله) ذُكْرُ ما ورد من الدليل والبرهان (أن الغلو) - وسبق أنه مجاوزة الحد - (أن الغلو في قبور - الأنبياء و - الصالحين) بالبناء عليها واتخاذ المساجد عليها والصلاة عندها والذبح والنذر وغير ذلك من أنواع الغلو يجعلها أوثانًا (يُصَيِّرُهَا) يجعلها (أوثانًا) لأنه يورث التأله والعبادة شيئًا فشيئًا، فالغلو يترتب عليه ماذا؟ العبادة شيئًا فشيئًا، فالعلاقة بين هذا الباب والباب السابق واضحةٌ بَيِّنَة، فـ (الغلو في قبور الصالحين يُصَيِّرُهَا أوثانًا تُعْبَدُ من دون الله) أي يؤول الأمر إلى أن يعبدوا هذه القبور أو أصحابها، فالباب السابق بحث في الوسيلة، وهذا الباب بحث في نتائج تلك الوسيلة، الباب السابق في الوسيلة، وهنا في ماذا؟ أنها صارت أوثانًا، نبحث في النتيجة المترتبة على الوسيلة فهما متلازمان، يعني الوسيلة تؤول إلى ماذا؟ إلى تَصِّير هذه القبور ماذا؟ (أوثانًا تعبد من دون الله) فالأصل في الوسائل أن لها أحكام المقاصد فتقاربا الباب فهما متلازمان، (باب ما جاء أن الغلو) عرفنا فيما سبق معنى الغلو (في قبور الصالحين) الصالحين لفظ عام يشمل الأنبياء والأولياء وغيرهم ممن دونهم، قوله: (يُصَيِّرُهَا) يجعلها (أوثانًا) جمع وثنٍ سبق البحث فيه والفرق بينه وبين الصنم، وقلنا فيما سبق: أن الوثن هو المعبود الذي لا صورة له، ليس تمثالًا يعني، الوثن هو المعبود الذي لا صورة له كالقبور والأشجار والعُمُد والحيطان والأحجار ونحوها، فالوثن يعم الأصنام وغيرها، مما يُعبد من دون الله تعالى كما عُبِدَت اللات والعزى ومناة وغيرها، والصنم تمثال مُمَثّل يعني له صورة، فالوثن ولذلك ذهب في (( التيسير ) )إلى أنهما إذا اجتمعا افترقا، يعني إذا أطلق الوثن دخل فيه الصنم، وإذا اجتمعا حينئذٍ الوثن معبود لا صورة له كالشجرة مثلًا أو القبر، والصنم ما له صورة، وسبق في أول الأبواب السابقة، والصنم تمثال ممثلٌ له صورة، وقيل: الوثن هو الصنم، والصنم هو الوثن وهذا غير صحيح. قال في (( التيسير ) )وهذا غير صحيح إلا مع التجريد، فأحدهما قد يعنى به الآخر، وأما مع الاقتران فيُفَسّر كل واحدٍ منهما بمعناه، إذا قيل: وثنٌ وصنمٌ، فالوثن معبودٌ لا صورة له، والصنم معبودٌ له صورة. وأما إذا أطلق أحدهما دون الآخر دخل فيه الآخر، حينئذٍ الوثن مطلقًا عم الصنم، أيهما أعم؟ نقول: الوثن أعم من الصنم، فالوثن حينئذٍ كل ما نصب للعبادة، والمصنف هنا قال: (يصيرها أوثانًا) إذًا ظاهر كلامه ماذا؟ أن الوثن يعم الأصنام، فظاهر كلام المصنف أن كل ما يُعبد من دون الله يُسَمَّى وثنًا، ويسمى طاغوتًا، يسمى صنمًا ونحو ذلك، وإن لم يكن على تمثال نُصِبَ لأن القبور قد لا يكون لها تمثالٌ ينصب على القبر فيعبد، لأنه جعل الحكم هنا مناطه ماذا؟ القبور، والحديث هنا في ماذا؟ في عبادة القبور.