"وقد استمع - صلى الله عليه وسلم- ليلةً لقراءة أبي موسى الأشعري، فلما أخبره بذلك قال: لو كنت أعلم أنَّك تسمعه لحبرته لك تحبيرًا" [1] ، أي: حسنته وزينته بصوتي تزيينًا. وروي أبو داود في - سننه - عن عبدالجبار ابن الورد، قال: سمعت ابن أبي مليكة يقول: قال عبدالله ابن أبي زيد: مر بنا أبو لبابة فاتبعناه حتى دخل بيته فإذا رجل رث الهيئة فسمعته يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقول:"ليس مِنَّا مَنْ لم يتغن بالقرآن". قال: فقلت لابن أبي مليكة: يا أبا محمد! أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت؟ قال: يحسنه ما استطاع قلت: لا بد مِنْ كشف هذه المسألة، وذكر اختلاف الناس فيها واحتجاج كل فريق، وما لهم وما عليهم في احتجاجهم، وذكر الصواب في ذلك" [2] ."
(1) - اخرجه البخاري (5048) ،ومسلم (793) .
(2) وقد نقل ابن القيم هذه الأقوال وناقشها فقالت: طائفة: تكره قراءة الألحان، وممن نص علي ذلك احمد ومالك وغيرهما، فقال احمد في رواية علي ابن سعيد في قراءة الالحان: ما تعجبني وهو محدث.
وقال في رواية المروزي: القراءة بالألحان بدعه لا تسمع. وقال في رواية عبد الرحمن المتطبب: قراءة الألحان بدعه، وقال في رواية ابنه عبد الله، ويوسف بن موسي، ويعقوب ابن بختان، والأثرم، وإبراهيم ابن الحارث: القراءة بالإلحان لا تعجبني إلا ان يكون ذلك حزنا فيقرأ بحزن مثل صوت أبي موسي، وقال في رواية صالح: (( زينوا القران بأصواتكم ) )معناه: أن يحسنه وقال في رواية المروزي: (( ما أذن الله لشئ كأذنه لنبي حسن الصوت أن يتغنى بالقرآن ) )وفي رواية قوله ك (( ليس منا من لم يتغن بالقران ) )، فقال: كان ابن عيينة يقول: يستغني به. وقال الشافعي: يرفع صوته، وذكر له حديث معاوية بن قرة في قصة قراءة سورة الفتح والترجيع فيها، فأنكر أبو عبد الله أن يكون علي معني الألحان، وأنكر الأحاديث التي يحتج بها في الرخصة في الألحان.
وروي ابن القاسم عن مالك، انه سئل عن الألحان في الصلاة، فقال: لا تعجبني، وقال: إنما هو غناء يتغنون به، ليأخذوا عليه الدراهم، وممن رويت عنه الراهبة: انس ابن مالك، وسعيد ابن المسيب، وسعيد بن جبير، والقاسم ابن محمد والحسن، وابن سيرين، وإبراهيم النخعي.
وقال عبد الله ابن يزيد العكبري: سمعت رجلا يسأل أحمد، ما تقول في القراءة بالألحان؟ فقال ك ما اسمك؟ قال محمد: قال: أيسرك أن يقال لك: يا موحمد ممدودا؟! قال القاضي ابو يعلي: هذه مبالغة في الكراهة.
وقال الحسن بن عبد العزيز الجروي: أوصي إلي رجل بوصيه، وكان فيما خلف جاريه تقرأ بالألحان، وكانت أكثر تركته أو عامتها، فسالت احمد ابن حنبل، والحارث ابن مسكين، وأبا عبيد كيف أبيعها؟ فقالوا: بعها ساذجة، فأخبرتها بما في بيعها من النقصان، فقالوا: بعها ساذجة، قال القاضي: وإنما قالوا ذلك؛ لان سماع ذلك منها مكروه، فلا يجوز أن يعاوض عليه كالغناء.
قال ابن بطال: وقالت طائفة: التغني بالقران هو تحسين الصوت به والترجيع بقراءته، قال: والتغني بما شاء من الأصوات واللحون هو قول ابن المبارك والنضر ابن شميل، قال: وممن أجاز الألحان في القران: ذكر الطبري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه انه كان يقول لأبي موسي: ذكرنا ربنا، فيقرا أبو موسي ويتلاحن، وقال: من استطاع أن يتغني بالقران غناء أبي موسي فليفعل. وكان عقبة ابن عامر من أحسن الناس صوتا بالقرآن ن فقال له عمر: اعرض علي سورة كذا، فعرض عليه فبكي عمر، وقال: ما كنت أظن انه نزلت، قال: وأجازه ابن عباس، وابن مسعود، وروي عن عطاء بن أبي رباح. قال: وكان عبد الرحمن ابن الأسود بن يزيد يتتبع الصوت الحسن في المساجد في شهر رمضان. وذكر الطحاوي عن أبي حنيفة وأصحابه: أنهم كانوا يستمعون القران بالألحان. وقال محمد ابن عبد الحكيم: رأيت أبي، والشافعي، ويوسف ابن عمر يستمعون القران بالألحان، وهذا اختيار ابن جرير الطبري. قالا المجوزون - واللفظ لابن جرير: الدليل علي أن معني الحديث تحسين الصوت: والغناء المعقول الذي هو تحزين القارئ سامع قراءته، كما أن الغناء بالشعر هو الغناء المعقول الذي يطرب سامعه- ما روي سفيان، عن الزهري، عن أبي سلمه، عن أبي هريرة عن النبي صلي الله عليه وسلم قال ك (( ما أذن الله لشئ ما أذن لنبي حسن الترنم بالقرآن ) ). ومعقول عند زوي الحجا أن الترنم لا يكون إلا بالصوت إذا حسنه المترنم وطرب به.
وروري في هذا الحديث: (( ما أذن الله لشئ ما أذن لنبي حسن الصوت يتغني بالقران يجهر به ) ). قال الطبري: وهذا الحديث من أبين البيان أن ذلك كما كلنا، قال: ولو كان كما قال ابن عيينة، يعني: يستغني به عن غيره، لم يكن لذكر حسن الصوت والجهر به معني، والمعروف في كلام العرب أن التغني إنما هو الغناء الذي هو حسن الصوت بالترجيع، قال الشاعر:
تغن بالشعر إما كنت قائله ... إن الغناء لهذا الشعر مضمار
قال: وأما ادعاء الزاعم أن تغنيت بمعني استغنيت فاش في كلام العرب، فلم نعلم أحدا قال به من أهل العلم بكلام العرب.
وما احتجاجه لتصحيح قوله بقول الأعشى:
وكنت امرءا زمنا بالعراق ... عفيف المناخ طويل التغن
وزعم أنه أراد بقوله: طويل التغني: طويل الاستغناء، فغنه غلظ منه، وإنما عني الأعشى بالتغني في هذا الموضع: الإقامة من قول العرب: غني فلان بمكان كذا: إذا أقام به، ومنه قوله تعالي: (كان لم يفنوا فيعها) [سورة الأعراف: 92] ، واستشهاده بقول الآخر:
كلاني غني عن أخيه حياته ... ونحن إذا متنا اشد تغانينا
فإن إغفال منه، وذلك لان التغاني تفاعل من تغني: إذا استغني كل واحد منهما عن صاحبه، كما يقال: تضارب الرجلان إذا ضرب كل واحد منهما صاحبه، وتشاتما وتقاتلا، ومن قال: هذا في فعل اثنين لم يجز أن يقول مثله في الفعل الواحد، فيقول: تغاني زيد وتضارب عمرو وذلك غير جائز أن يقول: تغني زيد بمعني استغني، إلا أن يريد به قائله انه اظهر الاستغناء، وهو غير مستغني، كما يقال: تجلد فلان: إذا اظهر جلدا من نفسه، وهو غير جليد، وتشجع وتكرم، فان وجه موجه التغني بالقران إلي هذا المعني علي بعده من مفهوم كلام العرب، كانت المصيبة في خطئه في ذلك أعظم؛ لأنه يوجب علي من تأوله أن يكون الله تعالي ذكره لم يأذن لنبيه أن يستغني بالقران، وإنما أذن له أن يظهر من نفسه لنفسه خلاف ما هو به من الحال، وهذا لا يخفي فساده.
قال: ومما يبين فساد تأويل ابن عيينة أيضا، أن الاستغناء عن الناس بالقران من المحال أن يوصف احد به انه يؤذن له فيه أو لا يؤذن، إلا أن يكون الإذن عند ابن عيينة بمعني الإذن الذي هو إطلاق وإباحة، وان كان ذلك فهو غلط من وجهين؛ احدهما: من اللغة، والثاني: من إحالة المعني عن وجهه. أما اللغة: فان الإذن مصدر قوله: أذن فلان لكلام فلان، فهو يأذن له: إذا استمع له وأنصت، كما قال تعالي: (وأذنت لربها وحقت) [الانشقاق 2] بمعني سمعت لربها وحق لها ذلك، كما قال عدي بن زيد: إن همي في سماع وأذن.
بمعني في سماع واستماع، فمعني قوله: (( ما أذن الله لشئ ) )، إنما هو: ما استمع الله لشئ من كلام الناس ما استمع لنبي يتغني بالقران.
وأما الإحالة في المعني، فلأن الاستغناء بالقران عن الناس غير جائز وصفه بأنه مسموع ومأذون له. انتهي كلام الطبري.
قال أبو الحسن ابن بطال: وقد وقع الإشكال في هذه المسالة أيضا، بما رواه ابن أبي شيبه، حدثنا زيد ابن الحباب قال، حدثني موسي ابن علي ابن رباح، عن أبيه، عن عقبة ابن عامر قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم (( تعلموا القران، وتغنوا به، واكتبوه، فو الذي نفسي بيده لهو اشد تفصيا من المخاض من العقل ) ). قال: وذكر عمرو بن شيبه، قال: ذكر لأبي عاصم النبيل تأويل ابن عيينة في قوله: (( يتغني بالقران ) )يستغني به، فقال: لم يصنع ابن عيينة شئ، حدثنا ابن جرير، عن عطاء، عن عبيد ابن عمير قال: كانت لداود نبي الله معزفه يتغني عليها يبكي ويبكي. وقال ابن عباس: إنه كان يقرأ الزبور بسبعين لحنان، تكون فيهن و يقرأ قرائه يطرب منها الجموع. وسأل الشافعي رحمه الله عن تأويل ابن عيينة، فقال: نحن اعلم بهذا لو أراد به الاستغناء لقال: من لم يستغن بالقران، ولكن لما قال: يتغن بالقران علمنا انه أراد به التغني. قالوا: ولآن تزينوا، وتحسين الصوت به، والتطريب بقراءته أوقع في النفوس وأدعي إلي الاستماع والإصغاء، إليه ففيه تنفيذ للفظه إلي الأسماع ومعانيه إلي القلوب، وذلك عون علي المقصود، وهو بمنزلة الحلاوة التي تجعل في الدواء لتنفذه إلي موضع الداء وبمنزلة الأفاويه والطيب الذي يجعل في الطعام ليكون الطبع ادعي له قبولا، وبمنزلة الطين والتحلي وتجمل المرأة لبعلها ليكون ادعي إلي مقاصد النكاح. قالوا: ولابد للنفس من طرب واشتياق إلي الغناء فعوضت عن طرب الغناء بطرب القران كما عوضت عن كل محرم ومكروه بما هو خير لها منه، وكما عوضت عن الاستقسام بالأزلام بالاستخارة التي هي محض التوحيد والتوكل، وعن السفاح بالنكاح، وعن القمار بالمراهنة بالنصال وسباق الخيل، وعن السماع الشيطاني بالسماع الرحماني القرآني، ونظائره كثيرة جدا. قالوا: والمحرم لابد أن يشتمل علي مفسده راجحة أو خالصة، وقراءة التطريب والألحان لا تتضمن شئ من ذلك، فانها لا تخرج الكلام عن موضعه، ولا تحول بين السامع وبين فهمه، ولو كانت متضمنه لزيادة الحروف، كما ظن المانع منها، لأخرجت الكلمة عن موضعها، وحالت بين السامع وبين فهمها، ولم يرد ما معناها، والواقع بخلاف ذلك . قالوا: وهذا التطريب والتلحين أمر راجع إلي كيفية الأداء، وتارة يكون سليقة وطبيعة، وتارة ... يكون تكلفا وتعملا، وكيفية الأداء لا تخرج الكلام عن موضع مفرداته، بل هي صفات لصوت المؤدي جاريه مجري ترقيقه وتفخيمه وإمالته، وجاريه مجري مدود القراء الطويلة والمتوسطة، لكن تلك الكيفيات متعلقة بالحروف، وكيفيات الإلحان والتطريب متعلقة بالأصوات والآثار في هذه الكيفيات، لا يمكن نقلها، بخلاف كيفيات أداء الحروف، فلهذا نقلت تلك بألفاظها، ولم يمكن نقل هذه بألفاظها، بل نقل منها ما أمكن نقله كترجيع النبي صلي الله عليه وسلم في سورة الفتح بقوله: (( آآآ ) ).قالوا: والتطريب والتلحين راجع إلي أمرين: مد وترجيع، وقد ثبت علي النبي صلي الله عليه وسلم انه كان يمد صوته بالقراءة، يمد الرحمن، ويمد الرحيم، وثبت عنه الترجيع كما تقدم. قال المانعون من ذلك: الحجة لنا من وجوده؛ احدها: ما رواه حذيفة ابن اليمان، عن النبي صلي الله عليه وسلم (( اقرءوا القران بلحون العرب، وإياكم ولحون أهل الكتاب والفسق؛ فانه سيجئ من بعدي أقوام يرجعون بالقران ترجيع الغناء والنوح، لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم ) ). رواه أبو الحسن رزين في (( تجريد الصحاح ) )ورواه أبو عبد الله الحكيم الترمذي في (( نوادر الأصول ) ). واحتج به القاضي ابو يعلي في (( الجامع ) )واحتج معه بحديث أخر، انه صلي الله عليه وسلم ذكر شرائط الساعة، وذكر أشياء منها: (( إن يتخذ القران مزامير، يقدمون احدهم ليس باقراهم ولا أفضلهم ما يقدمونه الا لغنائهم غناء ) )قالوا: وجاء زياد الهندي الي انس رضي الله عنه مع القراء فقال له: اقراء، فرفع صوته وطرب، وكان رفيع الصوت، فكشف انس عن وجهه، وكان علي وجهه خرقة سوداء، وقال: يا هذا! ما هكذا كانوا يفعلون وكان اذا رأى شيئا ينكره رفع الخرقة عن وجهه. قالوا: وقد منع النبي صلي الله عليه وسلم المؤذن المطرب من التطريب، كما روي ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: كان لرسول الله صلي الله عليه وسلم مؤذن يطرب، فقال النبي صلي الله عليه وسلم: (( إن الآذان سهل سمح، فإن كان اذانك سهلا سمحا، وإلا فلا تؤذن ) )رواه الدارقطني 1/ 239 وهوضعيف، ... ثم يقول (بتصرف) وفصل النزاع أن التطريب والتغني على وجهين الأول: ما كان عادة وطبعا من غير تكلف ولاتعليم ولاتمرين فلا بأس به. الثاني: وإن كان صناعة من الصانع وليس طبعا بل بتكلف وتصنع فهذه التي كرهها السلف. زاد المعياد لابن القيم ج 1، ص 278: 284