وقد اقتضت طبيعة الموضوع، أن يكون المنهج الذي سارت عليه الدراسة متعددًا وليس واحدًا، فهناك المنهج التحليلي الذي يرصد الرأي أو الفكرة، ويحدد المراد منها في الاصطلاحات المختلفة، محللًا عناصرها وأسسها مع البحث عن عوامل نشأتها وظهورها، وبيان الآثار المترتبة عليها، وبجانبه المنهج التاريخي الذي يتتبع جذور نشأتها الأولى، ثم نموها وتطورها، ومراحل انتقالها من فرد لآخر داخل المذهب الواحد أو من خلال مذهب لآخر.
وهناك أيضًا المنهج المقارن الذي يحاول بيان أوجه التشابه أو الاختلاف بين مواقف المدرستين -محل الدراسة- وغيرهما من الاتجاهات الأخرى، مع الاهتمام بإبراز علاقات التأثير والتأثر، وإضافة لذلك فلا غنى عن المنهج النقدي الذي يطرح التسليم المجرد، ولا يكتفي به، وإنما يناقش ويبحث، وينقد ويُقوِّم، ويتبنى ويرفض؛ ليصل في نهاية المطاف إلى أرجح الأقوال وأولاها بالقبول.
وأما خطة البحث وطريقته في التبويب والتقسيم فقد انطلقت من خلال فكرة أساسية، مفادها أن عملية الاستدلال في مجال العقيدة تتم عبر مرحلتين ضروريتين:
الأولى: إثبات حجية الدليل في نفسه، وصلاحيته للاستشهاد به على تقرير المسائل العلمية العقدية، وتتنوع هذه المرحلة بحسب طبيعة الدليل المستخدم فيها، نقليًّا كان أو عقليًّا.
ولما كان موضوع دراستنا هو الدليل النقلي، الذي وصل إلينا في صورة مرويات منقولة من جيل لآخر؛ فلا بد من التأكد من حجيته في نفسه أولًا، ثم من مدى صحة نقله وطريقة وصوله إلينا، ويمكن أن يطلق على هذه المرحلة «حجية الدليل على المستوى النظري» أو «حجية الدليل من حيث الثبوت» .