فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 584

ولعل الإجابة عن هذه الملاحظة أيسر مما تقدم، إذ من الصعب جدًّا الفصل التام بين الدليلين، فالنقل لا يُفهم إلَّا بالعقل، واستخدام النصوص السمعية كثيرًا ما يتلون ويتشكل بحسب عقلية المتعامل معها وأفكاره المسبقة، كما أن نظرة المدرستين إلى حدود العلاقة بين الدليلين قد أثرت كثيرًا على الاحتجاج بالنقل، بحيث صار من أهم شروط الاعتماد عليه أن يكون متوافقًا مع العقل وغير معارض له، ولا ننسى أيضًا أن عددًا من المتكلمين قد انتهى إلى استحالة وجود الدليل السمعي المحض، والموجود إما أن يكون دليلًا عقليًّا خالصًا، وإما أن يكون دليلّا مركبًا من النقل والعقل معًا، وبذلك يتعذر الحديث عن النقل دون التعرض للعقل والعلاقة بينهما.

وتقودنا هذه الملاحظات إلى الحديث عن الصعوبات التي واجهها الباحث، وقد تلخصت في أمرين:

الأول: اتساع الموضوع، وترامي أطرافه، وتشعب مسائله وتفصيلاته، حتى إن بعض المباحث كحجية السُّنَّة أو الإجماع أو التأويل أو التفويض أو علاقة النقل بالعقل موافقة أو مخالفة- تصلح كموضوعات لرسائل علمية مستقلة، وللتغلب على ذلك مالت الرسالة إلى الانتقاء والاختصار ما أمكن، والتركيز على أبرز النقاط وما له صلة بصميم الموضوع والتجاوز عما سواه، فعندما يتم تناول قضية كالظنية أو التأويل مثلًا لا يهمنا إلَّا ما له دخل ببيان موقف المدرستين من حجية الدليل النقلي، وطريقة التعامل معه بعيدًا عن الخوض في التفصيلات الجزئية.

الآخر: عدم اقتصار الموضوع على علم الكلام وحده، وإنما اعتمد على عدة فنون مختلفة كأصول الفقه ومصطلح الحديث وعلوم القرآن، مما استلزم الرجوع إلى هذه العلوم بمصادرها الكثيرة والمتنوعة، وقد أفاد ذلك -من ناحية- في تغطية بعض المساحات الفارغة لعدد من القضايا التي لم يتعرض لها رجال المدرستين في مصنفاتهم الكلامية، اعتمادًا على كونها مبسوطة في علوم أخرى، وإن كان -من ناحية أخرى- قد أدَّى إلى صبغ الرسالة بصبغة أصولية، لا تخفى على المُطالع، ولعل العذر في ذلك عمق الصلة بين العلمين، وغياب كثير من المسائل عن المؤلفات الكلامية بينما تُعرض بتوسع في كتب أصول الفقه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت