فهرس الكتاب

الصفحة 178 من 584

مسلِّمٌ بحجية الإجماع وعاملٌ بمقتضاها، وكل ما حُكي عنه إنما هو تجنيات وافتراءات من مخالفيه في المشرب والمنهج.

ومن ذلك أن أبا الحسين الخياط أورد اتهام ابن الراوندي للنظام بأنه «كان يزعم أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم بأسرها قد يجوز عليها الاجتماع على الضلال من جهة الرأي والقياس لا من جهة التنقل عن الحواس» ، ثم عقب عليه قائلًا: «هذا غير معروف عن إبراهيم، وإنما حكاه عنه عمرو بن بحر الجاحظ فقط، وقد أغفل في الحكاية عنه، وهذه كتبه تخبر بخلاف هذا الخبر» (1012) .

ولعله ليس باليسير أن يُقبل من الخياط ما وسم به الجاحظ من الغفلة في حكاية مذهب أستاذه ونقل أقواله، ثم إنه لم ينفرد بنسبة هذا الرأي إليه؛ بل تابعه الكثيرون ممن ذكرنا أسماءهم آنفًا، ولا ندري لماذا لم يذكر الخياط طرفًا من نصوص النظام، أو نُبَذًا من كتاباته التي تدل على احتجاجه بالإجماع واعتداده به؟

وهناك أيضًا نصان منقولان عن النظام فَهِمَ منهما بعض الباحثين أنه لا ينازع في حجية الإجماع أو يشكك فيها؛ أولهما: حكاه أبو الحسن الأشعري في المقالات؛ حيث أورد مذهب النظام فيما إذا جاء خبر عام لم يكن في العقل ما يخصصه، وهو يرى حينئذ وجوب توقف الناظر حتى «يتصفح القرآن والإجماع والأخبار، فإذا لم يجد للخبر تخصيصًا في القرآن، ولا في الأخبار، ولا في السنن؛ قضي على عمومه» (1013) .

وأما النص الآخر فحكاه الجاحظ عن أستاذه النظام، وهو يقول فيه: «الحكم يُعلم بالعقل أو الكتاب أو إجماع النقل» (1014) ، ولا يبدو في هذا النص دلالة واضحة على الإقرار بحجية الإجماع؛ بل يصدق على الخبر المتواتر الذي أجمعت الأمة على نقله، لا على الإجماع الاصطلاحي المتعارف عليه، والناشئ عن اتفاق المجتهدين على حكم من الأحكام الشرعية.

وأما نص أبي الحسن فلا بد أن يوضع في الإطار العام لأقوال النظام، وما نقل عنه من آراء شاذة، ولا سيما مع تتابع هذه الجمهرة الكبيرة من أهل العلم بمختلف طوائفهم على وصفه بإنكار الإجماع ونفي حجيته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت