فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 584

وتجدر الإشارة إلى أن النظام يعترف بنوع خاص من الإجماع، وهو إجماع النقل حين تتفق الأمة كلها على نقل خبر ما عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأما الإجماع النابع من إعمال الاجتهاد والنظر في الأدلة الشرعية، فهذا الذي أنكره بل تجاهله في تعريفه الذي ذكرناه سابقًا، كما اشْتُهر عنه إنكار حجية القياس (1015) ، وهو نوع من الاجتهاد، إضافة للتشنيع على أقوال الصحابة في عدد من المسائل الاجتهادية (1016) ؛ مما يؤدي إلى سد الطريق من بدايته أمام وقوع الإجماع على أي نوع من أنواع المسائل الشرعية.

وقد أرجع القاضي عبد الجبار إنكار النظام لحجية الإجماع إلى السببين المذكورين، وإن كان ينبه على أنه إذا كان من باب الخبر فهو حجة عنده (1017) ، وحاول بعض الباحثين المعاصرين (1018) إيجاد نوع من الصلة بين النزعات الشيعية عند النظَّام وموقفه من الإجماع، والذي يبدو متشابهًا مع نظرة الشيعة إليه، وهو احتمال غير مستبعد، وإن كان يحتاج إلى مزيد من الأدلة التي تقويه.

3 -وأما الاتهام الثالث من الاتهامات التي ثارت حول الموقف الاعتزالي من حجية الإجماع، فقد حكى بعض خصومهم -كابن الراوندي وابن حزم ونفر من أئمة الأشاعرة- نماذج عدة من مخالفات أئمة المذهب للمسائل المجمع عليها، سواء في الأصول العقدية أو الفروع الفقهية، ويعتبر النظَّام أبرز مَن أُضيفت إليه أقوال من هذا القبيل وأكثرهم عددًا، لكنه ليس بدعًا في ذلك، فأبو هاشم الجبائي عزا إليه كلٌّ من عبد القاهر البغدادي (1019) وأبي المظفر الإسفراييني (1020) والمقريزي (1021) أنه كان لا يرى وجوب الطهارة، وفي هذا -إن ثبت- ما فيه من مخالفة الإجماع ومصادمة النصوص الصريحة الصحيحة.

وحُكي عن الأصم أنه أنكر صحة عقد الإجارة (1022) ، وخطًّأ جعفر بن مبشر الصحابة في جلد شارب الخمر مع أن ذلك محل إجماع بينهم (1023) . ونقل ابن حزم عن معتزلي اسمه أبو غفار أنه كان يزعم أن شحم الخنزير ودماغه حلال (1024) ، وقال هو وثمامة بن أشرس: إن تفخيذ الرجال حلال (1025) !! وزعم محمد بن عبد الله الإسكافي أحد رؤساء المعتزلة -وبهذا وصفه ابن حزم- أن الله لم يخلق الطنابير ولا المزامير ولا المعازف (1026) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت