فهرس الكتاب

الصفحة 180 من 584

ويطول بنا المجال إذا رمنا سرد واستقصاء كل ما نُسب إلى أئمة الاعتزال من مخالفات للإجماع، ويكفي أن عبد القاهر البغدادي -وهو معروف بالشدة في إصدار الأحكام على المخالفين- لم يترك واحدًا منهم إلَّا وذكر شيئًا من مخالفته للإجماع، وجعله سببًا في تكفيره، أو على أحسن الأحوال تضليله وتفسيقه (1027) ، ومع ذلك فلا بد أن نضع نصب أعيننا الأمور التالية:

(أ) كثير من الأقوال المذكورة كذَّبها الخياط، وبرَّأ أصحابه من تبعتها، ونفى أن يكون أحد منهم قد قال بها، كما شدد على تمسك أصحابه بالإجماع ومسائله المتفق عليها بين سائر علماء الأمة ومجتهديها (1028) .

(ب) يقتضينا الإنصاف -كما سبق التنبيه على ذلك مرارًا- ألا نقبل أقوال خصوم المعتزلة ومخالفيهم، فيما لا سبيل إلى التأكد من صحة إضافته إليهم، وهل ثبت عنهم حقيقة أم أنهم حُمِّلُوا وزر ما لم يقولوا به أو يذهب إلى اعتناقه واحد منهم؟

(جـ) ومع ذلك فليس بمستبعد أن يكون شيء من هذه المخالفات قد وقع بالفعل من بعض أفراد المذهب نتيجة إطلاق العنان للعقل؛ ليبحث في كل المسائل دونما حجر أو قيد، ولأنهم ما كانوا يعنون كثيرًا بالتأكد من وجود الإجماع أو عدم وجوده في المسألة التي يبغون دراستها، وإنما التعويل في المقام الأول على مقررات العقول، وما تدل عليه من آراء وأقوال، وربما لم يدركوا أن في محل بحثهم اتفاقًا من الأمة أو إجماعًا لعلمائها.

وأخيرًا، نخلص إلى أن الفكر الاعتزالي بصفة عامة إذا استثنينا النظام- مُقِرٌّ بحجية الإجماع على المستوى النظري وقائلٌ بها، وأما في مجال المسائل التفصيلية المجمع عليه فلم يكن الموقف تجاهها واحدًا، أو متماشيًا مع الإقرار النظري، فالتسليم بالحجية عندهم لا يعني قبول كل ما ادعى وقوع الإجماع عليه في الأصول أو الفروع.

ولا أظن أن الإجماع من وجهة النظر الاعتزالية أخطر شأنًا ولا أرفع مكانة من نصوص القرآن والسُّنَّة، والتي طوعت بصنوف التأويل المتعددة، وضروب المجاز المتنوعة لتوافق المذهب وآراءه؛ ومن ثم لم يكن التلويح بوقوع الإجماع على حكم مسألة ما حائلًا بينهم وبين دراستها بصورة مجردة في ضوء ما توافر لهم من أدلة أخرى، عقلية كانت أو نقلية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت