فهرس الكتاب

الصفحة 211 من 584

3 -وتطور المذهب الاعتزالي على يد النظَّام بصورة أشد خطورة من ذي قبل؛ حيث بالغ في ثلب الصحابة، والإزراء عليهم، وذكر مطاعن لأكثريتهم، حتى وصل به الحال إلى تناول الشيخين أبي بكر وعمر بالنقد الشديد، مع أن المذهب الاعتزالي مقرٌّ بما لهما من فضائل ومكانة رفيعة بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد نُسب إلى النظَّام كتاب اسمه «النكت» ، عزاه إليه ابن أبي الحديد الشيعي المعتزلي، وذكر أنه انتصر فيه لكون الإجماع ليس بحجة، وعاب الصحابة (1179) ، كما أن لتلميذه الجاحظ كتاب «الفتيا» ، وهو مشحون بذكر مطاعن أستاذه على أعلام الصحابة (1180) .

وغالب تلك المطاعن تكفَّل بذكرها ابن قتيبة في «تأويل مختلف الحديث» (1181) ، والرازي في «المحصول» (1182) ، وعبد القاهر البغدادي (1183) في «الفرق بين الفرق» ، ومن ذلك اتهامه لأبي بكر وعمر بالتناقض؛ حيث نهيا عن القول بالرأي، ثم صدرت عنهما آراء اجتهادية في بعض المسائل، وزعم أن عمر شك يوم الحديبية في دينه، وشك يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان فيمن نفر بالنبي ليلة العقبة، وأنه ضرب فاطمة، ومنع ميراث العترة، وأنكر عليه تغريب نصر بن الحجاج من المدينة إلى البصرة، وزعم أنه ابتدع صلاة التراويح، ونهى عن متعة الحج، وغير ذلك، ونقل عن علي بن أبي طالب أنه سئل عن بقرة قتلت حمارًا، فقال: أقول فيها برأيي، فانتقد عليه النظام ذلك، وقال: «مَن هو حتى يقضي برأيه؟!» ، وأكذب كلًّا من ابن مسعود وحذيفة وأبي هريرة في روايتهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (1184) .

ويلاحظ أن انتقادات النظام بعيدة كل البعد عما دار في الحروب والفتن؛ بل يرجع معظمها إلى أقوال أو أحاديث رواها الصحابة، أو اجتهادات صدرت عنهم، ولم تَرُقْ له، فأطلق لسانه انتقادًا وثلبًا، ولم يفرِّق بين متقدم أو متأخر، وبلغت جرأته إلى درجة لم يوافقه عليها رجال المعتزلة أنفسهم، واضطروا لرد عدد منها.

فالقاضي عبد الجبار نقل تكذيبه لحديث ابن مسعود في انشقاق القمر ورد عليه (1185) ، كما اعترف في «المحيط بالتكليف» بمطاعنه على الصحابة، ووصفه بالتخليط في مسلكه نحوهم (1186) ، ونقل ابن أبي الحديد طرفًا مما انتقد به الصحابة، ولم يثر حفيظته سوى انتقاد علي رضي الله عنه، وأرجع ذلك إلى قلة علمه وخبرته بمعرفة الأخبار والسير، فقال: «ولقد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت