فهرس الكتاب

الصفحة 212 من 584

كان رحمه الله تعالى بعيدًا عن معرفة الأخبار والسير، منصبًّا فكره ومجهدًا نفسه في الأمور النظرية الدقيقة؛ كمسألة الجزء، ومداخلة الأجسام، وغيرها، ولم يكن الحديث والسير من فنونه ولا علومه» (1187) .

وأما الخياط فقد سلك مسلكًا آخر، حاول فيه تبرئة النظام من كل ما قيل في حقه، فحكى مطاعن ابن الراوندي من أنه سب الصحابة وطعن فيهم، وزعم أنه ليس منهم أحد إلا وأخطأ في الفتيا، وقال في الدين برأيه فأحل ما حرم الله، وحرم ما أحل الله، ثم عقب على ذلك كله مشككًا ومنكرًا فقال: «كذبت على إبراهيم، وقلت الباطل» ، وذكر تفصيلًا لموقفه من المجتهدين يُستخلص منه أنه لا يحكم عليهم بالتخطئة في الرأي، ولا ينسب أحدًا منهم إلى الضلال (1188) .

ولا أظن أن إنكار الخياط كافٍ في دفع ما نسب إلى النظام؛ حيث اعترف بطرف مما حكى عنه الجاحظ والقاضي عبد الجبار وابن أبي الحديد، وليس منهم من يُظَن به التحامل أو الافتراء على الرجل بما لم يقله، ثم إن مسلكه العام وكثرة ما حُكي عنه من أقوال غريبة -حتى عن المنهج الاعتزالي نفسه- تسوغ قبول تلك الأقوال المنسوبة إليه (1189) ، وتجعل احتمال صحتها ليس ببعيد.

4 -ولم يوافق الجاحظ شيخه النظَّام على آرائه في الصحابة، ولا سيما الخلفاء الراشدين، فهو يقر بفضائل أبي بكر وعمر وعلي وعثمان في أوائل خلافته، لكنه شنَّ حملة شعواء على معاوية رضي الله عنه، ورماه بتحويل الإمامة ملكًا كسرويًّا، والخلافة غصبًا قيصريًّا، وعدَّد ما ارتكبه من أخطاء، إلى أن وصل به الحال إلى تكفيره.

وليت الأمر وقف عن هذا الحد فحسب؛ بل انتهى إلى تكفير من لم يحكم بكفره، فقال بعبارة صريحة: «على أن كثيرًا من أهل ذلك العصر قد كفروا بترك إكفاره، وقد أربت عليهم نابتة عصرنا ومبتدعة دهرنا، فقالوا: لا تسبوه فإن له صحبة، وسب معاوية بدعة، ومَن يبغضه فقد خالف السُّنَّة» (1190) .

والظاهر أن بغض الجاحظ لمعاوية كان مستحكمًا حتى إنه ألف كتابًا مستقلًّا خصصه للحديث عن إمامته وسيرته وبيان مثالبه (1191) ، وسنرى فيما بعد أن موقف المعتزلة من معاوية رضي الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت