الصحابة، والولاية لهم، وإنما خلافهم في تفضيل بعض الأئمة العادلة عندهم على بعض، فأما ولاية الجميع، والترحم عليهم، والتقرب إلى الله بمحبتهم، فلا خلاف بينهم في ذلك» (1208) .
وأرجع القاضي عبد الجبار محاولات الطعن في المهاجرين والأنصار إلى الملاحدة والزنادقة، المستترين بستار التشيع، وليس مقصدهم من ذلك إلا تشكيك المسلمين في دينهم (1209) ؛ لأن الصحابة هم الوسيلة الوحيدة لنقل هذا الدين وشرائعه.
ومع أن النصوص المذكورة آنفًا تدل على التطور الواضح في الفكر الاعتزالي تجاه الصحابة، إلا أن المتأخرين لم يتخلصوا تمامًا من التحامل على بعض الصحابة وانتقادهم بشدة، فالقاضي عبد الجبار يلمز أبا هريرة لروايته ما لا يوافق هوى المعتزلة، ويحكم على حديثه بأنه «لا يُعمل به؛ لتساهله فيما كان يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخَلْط ما كان يرويه عنه بأمور يرويها عن غيره» (1210) ، وهي تهمة كثيرًا ما رُمي بها أبو هريرة رضي الله عنه، وليس لها نصيب من الصحة.
ويعترف ابن أبي الحديد ببراءة نفر من المعتزلة من بعض الصحابة، وينقل عن أبي القاسم البلخي أنه كان إذا ذُكر عنده عبد الله بن الزبير قال: «لا خير فيه» ، وقال مرة: «لا يعجبني صلاته» (1211) ، وليس لابن الزبير ولا لأبيه الزبير من ذنب، إلا اشتراكهما في مقاتلة علي رضي الله عنه يوم الجمل باجتهاد وتأويل؛ ظنًّا منهما أن في ذلك نصرة لدين الله، والمجتهد دائرٌ بين أجرين إن أصاب، وأجر واحد إن أخطأ، وفي كلٍّ خير.
وأخيرًا، نخلص إلى أن موقف المعتزلة من عدالة الصحابة تحكمت فيه النواحي السياسية، وما جرى من حروب وفتن، ولم يكن رأيهم واحدًا، وإنما مر بعدد من التطورات المنهجية الواضحة كان أسوأها موقف عمرو بن عبيد والنظام، ثم بدأت حدة التطرف في الرأي تخف شيئًا فشيئًا إلى أن وصل الحال إلى متأخري المذهب، الذين كان لهم موقف أفضل كثيرًا إذا ما قُورن بالمتقدمين، وإن لم يخل من هنات، وأقوال منطوية على نقد جارح لعدد من الصحابة، ولكن السمة الغالبة هي تعديلهم وقبول مروياتهم رضوان الله عليهم أجمعين (1212) .