الفرق بينها جوهريًّا أو مؤثرًا، فالدليل هو «ما أمكن أن يتوصل بصحيح النظر فيه إلى معرفة ما لا يُعلم اضطرارًا» (42) أو يُلح على فكرة التلازم بين الدليل وحصول اليقين فيُعرَّف بأنه «كل ما يوصل إلى اليقين» (43) .
ويقودنا التعريف الأخير إلى قضية اشتراط اليقينية في مفهوم الدليل، وهل ينحصر فيما أفاد القطع فلا يسمى الظني دليلًا، أم يعم الأمرين؟
الاتجاه السائد عند المتكلمين أنهم يحصرون الدليل في المفيد للقطع، ويطلقون على الظني مصطلح «الأمارة» وممن قال بذلك من المعتزلة القاضي عبد الجبار (44) ، وأبو الحسين البصري (45) ، واختلفت أقوال الأشاعرة، وتعد هذه المسألة مثار نزاع بين الأصوليين منهم والمتكلمين؛ فالباقلاني ينسب التفريق إلى المتكلمين، ويرى أنه ليس من موجب اللغة التي لا يفرق أهلها بين الأمارة والدلالة (46) ، ونسب الجويني التفريق إلى المحققين (47) ، ووافقه الرازي في العديد من كتبه (48) ، وكذلك الآمدي (49) ، وابن العربي (50) ، والتفتازاني (51) .
لكن عددًا من أصوليي المذهب رفضوا فكرة التفريق بين المصطلحين بناء على تحقق القطعية أو الظنية، ومالوا إلى القول بالترادف بينهما، وهو رأي أبي الوليد الباجي (52) ، والزركشي (53) ، واختاره نفر من أصوليي الحنابلة (54) ، ومما يجدر ذكره هنا أن ابن تيميَّة أشار إلى أن الجمهور يُسمون الجميع دليلًا، فلا فرق بين القطعي والظني (55) ، وقد اختار تعريفًا للدليل لا يحصره فيما أفاد العلم القطعي فحسب، بل يتسع مفهومه ليشمل ما أفاد الاعتقاد الراجح ولو لم يكن قطعيًّا (56) .
وربما قيل: هل يستحق هذا الخلاف الذي يبدو لفظيًّا كل ما أثير حوله من نقاش؟ وما وجه الإشكال في تسمية ما أفاد ظنًّا بالدليل أو بالأمارة مع أن من المقرر والمتعارف عليه ألا مُشاحَّة في الاصطلاح؟
والجواب: أن الخلاف المذكور لو كان لفظيًّا فحسب فليس ثمة منازعة حينئذ، ولكن المحك والإشكال الحقيقي فيما ترتب عليه من مسالك منهجية في التعامل مع الأدلة النقلية، والاختلاف حول إدراج ما ثبت ظنًّا في عدادها، أو إخراجه من جملتها، وقصر مفهوم الدليل على القطعي وحده.