(ب) عوامل نشأة العلم، والأسباب التي أدت إلى ظهوره (1428) ، ويقف على رأسها مواجهة العقائد المضادة للإسلام؛ من يهودية، ونصرانية، ومجوسية، وإلحاد، وأساطير، ولعل هذا العامل كان أبرز الدواعي التي عجَّلت بظهوره، ودارت حوله جُلُّ جهود المتكلمين، لا سيما مع تطور مفهوم الرد على الشبهات، والتوسع الذي لحقه؛ حيث لم يَعُدْ مقصورًا على شبهات أعداء الإسلام، ومَن لم يعتنقوه أصلًا؛ بل امتد ليشمل الرد على المخالفين من الفِرَقِ الكلامية الأخرى، وإن كانت دائرة الإسلام تشملهم؛ ولهذا رأينا مَن يؤكد في تعريفه لعلم الكلام أنه يقصد نصرة عقائد أهل السُّنَّة، والرد على أهل البدع (1429) .
(جـ) أهداف العلم وغاياته كما صرح بها أصحابه (1430) ، وفيها برز الجانب الدفاعي أكثر من غيره، وهذا ما نجده عند أبي حامد الغزالي في «الإحياء» (1431) و «المنقذ من الضلال» (1432) ؛ بل إن الشعراني يحصر وظيفة كتب العقائد في هذا الغرض وحده، منكرًا بشدة على مَن ظن توقف إثبات العقائد وتحصيلها على النظر، قائلًا: «اعلم -رحمك الله- أن علماء الإسلام ما صنفوا كتب العقائد ليثبتوا في أنفسهم العلم بالله تعالى؛ وإنما وضعوا ذلك ردعًا للخصوم الذين جحدوا الأدلة أو الصفات أو الرسالة» (1433) .
وبغلبة الجانب الدفاعي تأثر علم الكلام تأثرًا كبيرًا من حيث المنهج، وطريقة الاستدلال، ونوعية الدلالة السائدة فيه، فما دام المخاطب بالدرجة الأولى من غير المسلمين، فلا بد من إيراد جنس الحجج التي تلزم سائر العقلاء أيًّا كان دينهم، ومن الضروري مواجهته بنفس السلاح الذي يحمله، ولا يصلح في ذلك إلا العقل وحده، أما الاحتجاج بالنقل فلا يكون حجة إلا على المقر بالإسلام والمصدق بكتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم.
وقد أشار ابن العربي إلى هذا المعنى، حينما أجاب عن سؤال ثار في أذهان بعض الناس من معاصريه، وهم يرون تعويل متكلمي الأشاعرة على الأدلة العقلية دون النقلية، فقالوا: «ما عذر علمائكم -أي: الأشاعرة- في الإفراط بالتعلق بأدلة العقول دون الشرع المنقول في معرفة الرب، واستوغلوا في ذلك؟» . فأجاب ابن العربي بأنهم لم يكن خافيًا عليهم أن كتاب الله مفتاح المعارف ومعدن الأدلة، وليس إلى غيره سبيل، ولا بعده دليل، ولا وراءه للمعرفة معرس ولا مقيل، وإنما آثروا الدلالة العقلية لأمرين، يعنينا الثاني منهما، وهو تبصير الملاحدة وتعريف