فهرس الكتاب

الصفحة 268 من 584

المبتدعة أن مجرد العقول التي يدعونها لأنفسهم، ويعتقدون أنها معيارهم، لا حَظَّ لهم فيها، وليست حكرًا عليهم وحدهم (1434) .

ولم يقتصر المتكلمون على استخدام الأدلة العقلية وحدها، واعتقاد أنها السبيل الوحيد لتقرير العقائد في مجال محاجة خصوم الإسلام وأعدائه ومجادلتهم، وإنما انتقلوا بالمسلك ذاته حينما درسوا مسائل العقيدة، وألفوا حولها كتبًا، من المفترض أنها تخاطب المسلم المقر بهذا الدين ابتداء، والمصدق بمصدريه الأساسيين القرآن والسُّنَّة، لكن المنهج الكلامي ظل واحدًا دونما تغيير أو تفرقة بين مخاطَب وآخر، وأسلوبًا يُحتج به على هذا أو ذاك، وجاءت فكرة الدور وأسسها الثلاثة كتطبيق وتنظير لهذا الخطأ المنهجي الواضح.

وفيما يلي مناقشة للأسس التي قامت عليها فكرة الدور، مع التنبيه إلى أن الإشكال ليس في القول بإمكان معرفة الله عز وجل، والوصول إليها عقلًا، فتلك حقيقة متفق عليها بين جُلِّ المسلمين؛ بل تعد مزية من مزايا الإسلام؛ حيث يتلاقى مع العقول السليمة والفطر المستقيمة ولا يتعارض معها، كما لا إشكال في كون العقل أداة ووسيلة يتوصل بها إلى صحة النقل وبيان صدقه، فالعقل مناط التكليف، وغير العاقل مرفوع عنه القلم والمؤاخذة؛ وإنما الإشكال الحقيقي يتلخص في أمرين هما محل كل ما سيرد من انتقاد:

الأول: حصر الطريق إلى معرفة الله وصحة النقل في العقل وحده، وإهمال ما عداه من الطرق المعرفية الأخرى.

الآخر: تنحية الأدلة النقلية عن أن تكون مصادر معتمدة للاستشهاد في أصول العقيدة وقضاياها الرئيسية، بكل ما أدى إليه ذلك من جفاف في المؤلفات الكلامية، وإسراف في المعاظلات والاختلافات العقلية، وتحويلها من كتب ترقق القلوب وترطبها إلى مؤلفات صعبة وعسيرة الفهم، لا يستطيع الصبر على مناقشة ما تتضمنه سوى قلة من المتخصصين.

مناقشة الأساس الأول

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت