وخلاصته: أن العقل أصل للنقل، والنقل فرع عنه وتابع له، وواضح أنه كلام مجمل يحتاج إلى شيء من التفصيل؛ لاحتماله أكثر من معنى، فقد يُراد به أن العقل أصل في ثبوت النقل في نفس الأمر، أو يراد به أن العقل أصل في علمنا بصحة النقل وثبوته.
والمعنى الأول لا قائل به؛ لأن ما هو ثابت في نفس الأمر -بالسمع أو بغيره- هو ثابت، سواء علمنا ثبوته بالعقل أو لم نعلم؛ إذ عدم العلم ليس علمًا بالعدم، وعدم علمنا بالحقائق لا ينفي ثبوتها في أنفسها، وما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم هو ثابت في ذاته، سواء علمنا صدقه أو لم نعلم، وكذلك الحال فيما أخبرت به الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، كما أن وجود الرب تعالى وما يستحقه من الصفات حق وصدق، لا فرق في ذلك بين علمنا به أو عدم علمنا؛ إذ لن يغير ذلك من الحقائق شيئًا (1435) .
والعلم بالأشياء ينقسم من حيث تأثيره في حصول المعلوم أو عدم تأثيره إلى نوعين (1436) :
أحدهما: العلم العلمي: وهو ما كان شرطًا في حصول المعلوم؛ كتصور أحدنا لما يريد أن يفعله، فالمعلوم هنا متوقف على العلم به ومحتاج إليه.
والآخر: العلم الخبري النظري: وهو ما كان فيه المعلوم غير مفتقر في وجوده إلى العلم به؛ كعلمنا بوحدانية الله تعالى، وأسمائه وصفاته، وصدق رسله، وملائكته، وغير ذلك، فإن هذه المعلومات ثابتة بنفسها، ومستغنية عن علمنا بها.
والشرع مع العقل من النوع الثاني، فهو مستغنٍ في نفسه عن علمنا وعقلنا، ونحن محتاجون إلى معرفته وأن نعلمه بعقولنا، فإذا حصَّلنا ذلك انتفعنا بهذا العلم، وحصلت لنا صفة لم تكن من قبل؛ ومن ثم فالعقل ليس أصلًا لثبوت الشرع في نفسه، ولا معطيًا له صفة كمال لم تكن من قبل؛ إذ العلم مطابق للمعلوم المستغني عن العلم وتابع له، وليس مؤثرًا فيه (1437) .
وأما المعنى الثاني من قولهم: «العقل أصل النقل» فيُقصد به أن العقل أصل في معرفتنا بالسمع، ودليل لنا على صحته، وهذا ما يريده المتكلمون من إطلاق تلك القاعدة، وهذا المعنى بدوره يحتمل أمرين، فقد يُقصد بالعقل هنا الغريزة التي فينا، وقد يراد به العلوم المستفادة بواسطة تلك الغريزة، ولا يخفى أن الغريزة وحدها لا تعد علمًا مستقلًّا يمكن أن يعارض النقل أو يباينه؛ بل