فهرس الكتاب

الصفحة 270 من 584

هي شرط في كل علم عقلي أو سمعي؛ كالحياة وما أشبهها، وما كان شرطًا في الشيء امتنع أن يكون منافيًا له، فالحياة والغريزة شرط في حصول كل العلوم -سمعيها وعقليها- ولم يقل أحد: إنهما أصل لتلك العلوم، وما سواهما مجرد فروع (1438) .

وهكذا، لم يبق إلا أن يكون المراد بالعقل -الذي هو أصل للنقل- المعرفة الحاصلة بالعقل، وعن طريقها توصلنا لصحة النقل وثبوته، ويجب أن نضع في اعتبارنا عدة ملاحظات متعلقة بهذه المعرفة، أهمها ما يلي:

(أ) المعارف العقلية كثيرة جدًّا، وليست نوعًا واحدًا؛ بل يصعب حصرها، وليس كل ما يعرف بالعقل يكون أصلًا للسمع ودليلًا على صحته، وإنما ينحصر ذلك فيما يتوقف عليه العلم بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم (1439) .

(ب) والعلم بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم لا يحتاج إلى سائر العلوم العقلية؛ بل إلى قدر قليل منها، وهو المتعلق بمعرفة أن الله عز وجل أرسله؛ مثل إثبات الصانع، وتصديقه رسوله بالآيات (1440) .

(جـ) وهذه المعرفة العقلية التي توصلنا من خلالها إلى معرفة صدق الرسول -ومن ثَمَّ جميع السمعيات- ليست هي الطريق الوحيد؛ بل ثمة طرق أخرى كطريق المعجزة، والعلم بها ضروري عند كثير من المتكلمين، وما كان من قبيل الضروري فلا يحتاج إلى نظر واستدلال، ومزيد بحث وتفكر؛ وعليه فلا وجه للقول بأن العقل وحده أصل للنقل، مع إمكان استخدام طرق أخرى غيره.

(د) ولا يمكن للعقل أن يتوصل إلى معرفة الله وما سواها من المعارف إلا بالنظر، وهذا النظر مهما تنوع أو تعددت مناحيه لا بد أن يرجع في نهايته ويعتمد على جملة من العلوم الضرورية والمسلمات البدهية، ولولا هذه المسلمات لم يتحصل على علم أصلًا، كما يقول الجرجاني (1441) ، ويتبادر سؤال عن خالق هذه العلوم الضرورية وواهبها لكل إنسان.

والمعتزلة مع قولهم بإحداث الإنسان لسائر أفعاله، نجدهم يميلون في هذا الموضوع إلى ردِّ العلوم الضرورية لفعل الله سبحانه وتعالى، وهذا ما نص عليه القاضي عبد الجبار؛ حيث قال: «العلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت