الحاصل للمدرك يجب أن يكون من فعله تعالى ابتداء» (1442) ، وحينما تكلم عن معرفة العبد لما كُلف به حصرها في طريقين:
أحدهما: بأن يفعل الله تعالى فيه العلم به، وهو الذي نسميه ضروريًّا.
والآخر: أن تُنصب له على ذلك دلالة يستدل بها فيفعل هو العلم، وفي كلا الوجهين لا بد أن يفعل الله تعالى ما معه يتمكن من العلم بصفة ما قد كلف (1443) .
وهكذا، فالمعتزلة يرون أن العلم الحاصل للمكلف -ضروريًّا كان أو نظريًّا- من فعل الله، ويقرون بأن الله خالق العقول (1444) ، والمسألة عند الأشاعرة أكثر وضوحًا (1445) ، حتى إن الإيجي يصرح بأن «العلم غير واقع بالنظر أو بقدرتنا؛ بل بخلق الله تعالى، وهو مذهب أهل الحق من الأشاعرة» (1446) .
ونجد نفس المعنى يتكرر عند غيره من الأشاعرة؛ كالشهرستاني (1447) والجرجاني، وعند ابن حزم والشاطبي، ونفر من الفلاسفة؛ كالعامري والفارابي وابن سينا (1448) .
ونخرج من خلال هذه الأقوال بحقيقة مهمة؛ وهي أن حصول المعرفة بالله يتوقف عند المعتزلة والأشاعرة على المعرفة العقلية النظرية، وتتوقف المعرفة العقلية على العلوم الضرورية، والعلوم الضرورية يخلقها الله سبحانه وتعالى؛ وعليه فإن الثقة في العلوم الضرورية تتوقف بصورة ما على معرفة الله، ومعرفة الله تتوقف على النظر المتوقف على العلوم الضرورية، وبذلك يقع المتكلمون في نفس الدور (1449) الذي فروا منه عندما منعوا من الاستدلال بالسمع على معرفة الله، وعَوَّلوا على العقل وحده.
وثمة دور آخر وقعت فيه المدرستان عندما تكلموا عن مصدر إيجاب النظر؛ فالأشاعرة الموجبون للنظر شرعًا يُعترض عليهم بأنه لو لم يجب النظر إلا بالشرع؛ لكان في وسع المكلف أن يقول: لا أنظر ما لم يجب، ولا يجب ما لم يثبت الشرع، ولا يثبت الشرع ما لم أنظر، وليس هنالك أدنى فرق بين منعهم الاستدلال بالسمع على وجود الله، فرارًا من الدور، ثم إيجابهم النظر الموصل إلى إثبات وجود الله بالسمع، وهو دور أكثر وضوحًا.