فهرس الكتاب

الصفحة 272 من 584

ويرد الدور أيضًا على مذهب المعتزلة القائلين بوجوب النظر عقلًا، كما ألزمهم خصومهم من الأشاعرة؛ إذ للمكلف أن يقول حينئذٍ: لا أنظر ما لم يجب النظر، ولا يجب النظر ما لم أنظر، وبالتالي ندور في حلقة مفرغة وإشكالات عديدة، لا تقل عما أوردوه من شبهات حول الاستدلال بالنقل والاحتجاج به (1450) .

(هـ) وعلى فرض التسليم بأن العقل أصل للنقل؛ بمعنى أن معرفتنا بصحته لا يتوصل إليها إلا بالأدلة العقلية وحدها، فقد فات متكلمي المدرستين المانعين من الاحتجاج بالأدلة النقلية في أصول العقائد أمر مهم، كان كفيلًا بحل جزء كبير من هذا الإشكال؛ وهو إمكانية الاستدلال بمضمون الأدلة النقلية، وما اشتملت عليه من براهين وحجج عقلية، وحينئذٍ لا يُنظر إلى أدلة السمع باعتبارها نصوصًا مقدسة، أو أوامر ملزمة من كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فحسب؛ بل يُنظر إليها كقضايا مشفوعة ببراهينها العقلية (1451) ، وسنعود إلى هذه النقطة بتفصيل أوسع عند مناقشة الأساس الثالث، إن شاء الله تعالى.

(و) وأخيرًا، يبقى تساؤل عن مدى وفاء المتكلمين بما اشترطوه من اقتصار الحجج المستخدمة في معرفة صحة النقل على الأدلة العقلية، وهل ما قدموه من أدلة كان عقليًّا برهانيًّا، ومحصلًا لليقين الجازم، ورافعًا للخلاف، ومفحمًا للخصوم وأعداء الإسلام، ومبطلًا لكافة شبههم التي أثاروها حول أية مسألة عقدية أو أصل من أصول الإيمان؟ بل لا نذهب بعيدًا، فنتساءل: هل استطاع المعتزلة أو الأشاعرة أو سائر الفِرَق الكلامية أن يُفحموا مخالفيهم أو يُسكتوهم في كل ما شجر بينهم من نزاع واختلاف، والجميع منتسب للإسلام، والكل لا يعول إلا على العقل، ولا يحتج إلا به؟ أظن أن نظرة سريعة إلى التراث الكلامي الذي بين أيدينا تقطع بأن الخلاف ظل كما هو لم يُرفع أو يُحسم، وبقيت الحجج العقلية الجدلية تتصارع فيما بينها دون الوصول إلى حل حاسم.

ومن المفارقات الغريبة، أنه على الرغم من اتفاق الفلاسفة والمتكلمين في التعويل على العقل والثقة في قضاياه، فإن الهوة بينهما ظلت شاسعة، ولم يستخدم الفلاسفة -أو بتعبير أدق: لم يرتضوا- طرق الاستدلال الكلامية، ونقدوها نقدًا شديدًا، وبادلهم المتكلمون نقدًا بنقد، وهجومًا بهجوم، وصار الصراع بين الفريقين معلمًا واضحًا من المعالم البارزة في مسيرة الفكر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت